
تطمح المملكة المتحدة إلى إنهاء التشرد عبر إستراتيجية حكومية جديدة بميزانية 3.5 مليار جنيه إسترليني، في وقت يعيش فيه 132,410 أسرة في سكن مؤقت، يشكّل الأطفال وعائلاتهم نحو ثلثي هذا العدد. وتسعى الخطة إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى الوقاية المبكرة، عبر تدخلات هيكلية واختبار السياسات قبل تعميمها.
ويعكس هذا الحجم من الاعتماد على السكن المؤقت تحوّل التشرد في بريطانيا من ظاهرة فردية مرتبطة بالنوم في الشوارع، إلى أزمة اجتماعية واقتصادية واسعة الكلفة، باتت تمس العائلات والأطفال بشكل متزايد، وتفرض أعباء متصاعدة على المالية العامة والسلطات المحلية.
وفي هذا السياق، كشفت الحكومة البريطانية عن إستراتيجية جديدة لمكافحة التشرد في بريطانيا، تستهدف مختلف أشكال الظاهرة، من التشرد الظاهر إلى الأشكال غير المعلنة مثل التنقّل بين مساكن مؤقتة أو الإقامة غير المستقرة لدى الآخرين.
تعتمد الإستراتيجية مقاربة حكومية شاملة، تشترك فيها عدة وزارات، وتركّز على معالجة الأسباب البنيوية للتشرد بدل الاكتفاء بإدارة نتائجه. وتشمل الخطة التوسع في بناء 1.5 مليون وحدة سكنية خلال الدورة البرلمانية الحالية، وإصلاح قوانين الإيجارات، وإنهاء سقف إعانة الطفلين، إلى جانب برامج لدمج الشباب في سوق العمل أو التعليم.
كما تتضمن الخطة تحديث معايير تخصيص السكن الاجتماعي، وفرض واجب قانوني للتعاون بين الجهات العامة لمنع التشرد قبل وقوعه، في تحول واضح من سياسة الاستجابة الطارئة إلى الوقاية المبكرة.
في ظل الضغوط المالية التي تواجهها الخزانة البريطانية، تراهن الحكومة على ما تسميه نهج «الاختبار والتعلّم»، عبر تجريب السياسات على نطاق محدود وتوسيعها فقط إذا أثبتت فاعليتها. ويعكس هذا التوجه نقلة اقتصادية مهمة نحو قياس الأثر والعائد الاجتماعي للإنفاق العام.
وتُعد التجارب العشوائية المحكمة من الأدوات الأساسية في هذا النهج، إذ تسمح بقياس الأثر الحقيقي للتدخلات مقارنة بمجموعات لا تتلقى الدعم. فقد أظهرت تجربة في كندا أن تحويلات نقدية غير مشروطة للمشردين أدت إلى تقليص ملموس في عدد أيام التشرد سنويًا.
في بريطانيا، تُجرى، حالياً، تجارب مماثلة، من بينها مشروع تديره مؤسسة (Greater Change) يمنح الأفراد ميزانية شخصية تقارب 4 آلاف جنيه إسترليني لمساعدتهم على إعادة بناء مسارهم الحياتي، على أن تظهر النتائج خلال صيف العام المقبل.
بالتوازي، تعمل بعض المجالس المحلية مع شركة (Xantura) لتحليل البيانات والتنبؤ بالأسر الأكثر عرضة لخطر التشرد، مع تقديم دعم استباقي لها. وتُختبر هذه المقاربة عبر تجربة عشوائية تقارن نتائج الأسر التي تلقت تدخلًا مبكرًا بأخرى لم تتلقه.
ورغم الوعود التي تحملها هذه الأدوات، تشير الدراسات إلى أن فاعليتها ليست مضمونة، ما يضع عبئاً إضافياً على الحكومات لإثبات جدواها اقتصاديًا قبل تعميمها، تفاديًا لإنفاق موارد عامة على حلول غير مثبتة.
لا تؤدي كل السياسات بالضرورة إلى نتائج إيجابية. فقد أظهرت تقييمات سابقة أن برامج مثل (Staying Put)، التي تسمح للشباب بالبقاء مع أسرهم الحاضنة بعد سن 18 عاماً، و(Lifelong Links)، التي تعزز الروابط الأسرية، ساهمت فعلياً في تقليص معدلات التشرد بين خريجي الرعاية.
في المقابل، كشفت دراسات أخرى أن بعض النماذج البديلة، مثل مشاريع «الأسر الموسعة»، أدت إلى زيادة احتمالات التشرد، ما يبرز أهمية التقييم الصارم قبل التوسع في أي سياسة.
تعكس الإستراتيجية البريطانية تحولاً في التعامل مع التشرد باعتباره قضية اقتصادية بقدر ما هي اجتماعية، إذ إن الوقاية أقل كلفة على المالية العامة من إدارة الأزمات المتكررة. غير أن نجاح هذا الرهان يبقى مرهوناً بالالتزام بتطبيق أدوات قياس فعالة، وعدم التراجع عن الاختبار العلمي عندما تكون النتائج غير مريحة سياسياً.
فإنهاء التشرد لا يحتاج فقط إلى إنفاق مليارات، بل إلى إنفاقها في المكان الصحيح.