نمو سنوي مركب متوقع يتجاوز 10% حتى 2030
%46 من الأسر في الخليج لزيادة إنفاقها خلال رمضان 2025

في الوقت الذي تشهد فيه شركات الرفاهية العالمية في أوروبا والولايات المتحدة التباطؤ المعتاد مع نهاية العام، تتحرك فرق العمل المعنية بالشرق الأوسط وفق جدول زمني مختلف تماماً. فمن المتوقع أن يبدأ شهر رمضان في عام 2026 في 18 أو 19 فبراير وفقاً لرؤية الهلال، على أن يحلّ عيد الفطر في الأسبوع الثالث من مارس.
هذا التوقيت المبكر، الذي يأتي بعد أسابيع قليلة من عطلات نهاية العام ويتقاطع تقريباً مع مناسبات عالمية كـ«يوم الحب» و«رأس السنة القمرية»، يفرض ضغطاً حقيقياً على التقويم التجاري لقطاع الرفاهية، ويضع العلامات التجارية أمام انتقال شبه فوري من ذروة الربع الرابع إلى واحدة من أهم الفترات الثقافية والتجارية في المنطقة، من دون أي هامش زمني يُذكر لإعادة الضبط أو التخطيط المرحلي.
وبالنسبة لقطاع اعتاد توزيع الحملات والإطلاقات على مدار العام، فإن رمضان 2026 يفرض معادلة جديدة: التخطيط لم يعد خياراً يمكن تأجيله، بل ضرورة يجب حسمها منذ الأيام الأولى للسنة.
مع تنامي أهمية أسواق الخليج والشرق الأوسط في صناعة الرفاهية العالمية، لم يعد ممكناً التعامل مع رمضان كمحطة موسمية محدودة التأثير. فالتقارير الحديثة تشير إلى أن المنطقة باتت من بين أسرع أسواق الرفاهية نمواً على مستوى العالم.
وتشير بيانات صادرة عن شركة «باين آند كومباني» (Bain & Company) إلى أن سوق السلع الفاخرة في الشرق الأوسط أنهى عام 2025 بنمو تراوح بين 4% و6%، متقدماً على العديد من الأسواق التقليدية التي واجهت تباطؤاً خلال الفترة نفسها.
ويؤكد هذا الأداء موقع المنطقة كأحد أعمدة النمو طويلة الأمد لقطاع الرفاهية، لا كاستثناء موسمي، بل كسوق محورية، لا سيما في ضوء تقديرات تُظهر أن قيمة سوق السلع الفاخرة في الشرق الأوسط وإفريقيا استقرت عند نحو 19.76 مليار دولار في 2025، مع توقعات باستمرار النمو بمعدل سنوي مركب يتجاوز 10% حتى عام 2030.
تشير اتجاهات السوق بوضوح إلى أن وتيرة التسوق لا تبدأ مع حلول الشهر الفضيل، بل تتسارع قبل ذلك بأربعة إلى ستة أسابيع. هذه الفترة، التي كانت تُعد في السابق مرحلة تحضيرية، تحوّلت اليوم إلى موسم ذروة قائم بذاته، يضاهي في أهميته التجارية مواسم عالمية مثل «الجمعة السوداء» أو «يوم العُزّاب».
وتدعم ذلك بيانات سلوك المستهلك في المنطقة. فبحسب استطلاع إقليمي، خططت 46% من الأسر في الخليج لزيادة إنفاقها خلال رمضان 2025 مقارنة بالعام السابق، مع تركّز الزيادة على التسوق، والتجمعات الاجتماعية، وتناول الطعام خارج المنزل. كما تشير تقارير استهلاكية أخرى إلى أن معدلات الإنفاق خلال رمضان قد ترتفع بنسبة تتراوح بين 30% و150% مقارنة بالأشهر العادية، وهو فارق كبير يعكس الثقل الاقتصادي للشهر الفضيل.
أمام هذا الواقع، بات التخطيط لرمضان مدمجاً بشكل أعمق في الاستراتيجيات السنوية للمجموعات الفاخرة العالمية. ولم يعد الأمر مقتصراً على إطلاق مجموعات موسمية، بل أصبح يشمل إعادة التفكير في التوقيت، ونوعية المنتجات، وتجربة المتجر، وأساليب التواصل مع الجمهور على حد سواء.
وتتجه بعض الدور إلى تقديم إطلاقات محدودة التوقيت أو منح أسواق الشرق الأوسط أولوية في عروض حصرية، في إشارة واضحة إلى تصاعد تأثير المنطقة في التقويم العالمي للرفاهية، بينما تعتمد علامات أخرى على تقديم تصاميمها الأيقونية بصيغ محدثة، من خلال ألوان خاصة أو تفاصيل دقيقة، إلى جانب تعزيز طريقة عرض المنتجات والتفاعل مع العملاء داخل المتاجر.
في الوقت ذاته، يجري تكييف مجموعات السهرة لتنسجم مع الإيقاع الاجتماعي لرمضان، حيث تتزايد الدعوات والتجمعات الليلية، ولكن ضمن إطار أكثر احتشاماً وأناقة.
لكن مع اتساع حضور العلامات الفاخرة في الفضاء الرمضاني، برز سؤال جوهري حول جدواه. فمع تكاثر الفعاليات الرمضانية وتزايد الإطلاقات الخاصة بالموسم، أصبح المستهلك في أسواق الشرق الأوسط أكثر وعياً وانتقائية، وأقل تسامحاً مع العلامات التي تكتفي بالحضور الشكلي من دون ارتباط حقيقي بثقافة الشهر ومعانيه.
فالكثافة هنا لم تعد مؤشراً على التأثير، بل على العكس، تشير ملامح السوق إلى حالة من الإرهاق تجاه الفعاليات المتشابهة والإطلاقات المتكررة، ما يجعل القيمة الحقيقية لأي مبادرة مرهونة بجودة الفكرة وعمقها، لا بعدد الدعوات أو حجم الحضور.
في هذا السياق، لا تزال موائد السحور جزءاً من أدوات التواصل لدى العلامات الفاخرة، لكن فعاليتها باتت مشروطة بالإدارة الواعية لتوقيتِها وشكلِها ومضمونِها. فرمضان ليس حدثاً واحداً، بل شهر كامل بإيقاع متغيّر؛ تبدأ أيامه الأولى بطابع عائلي واضح، فيما تحمل أيامه الأخيرة ثقلاً دينياً خاصاً، ما يفرض نافذة اجتماعية محدودة. وضمن هذه النافذة، تبدو الفعاليات الممتدة على عدة أيام، والتي تتيح التفاعل بهدوء ومرونة، أكثر انسجاماً مع روح الشهر وأنماط حياة المستهلكين من ليلة واحدة مكثفة ومزدحمة.
لم يعد التحول الرقمي خلال رمضان مجرد قناة إضافية للبيع، بل أصبح عاملاً أساسياً في إعادة تشكيل توقيت القرار الشرائي نفسه. فارتفاع نشاط التجارة الإلكترونية في دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة تتراوح بين 30% و50% خلال الشهر مقارنة بالأشهر الاعتيادية، يعكس تحوّلاً أعمق في سلوك المستهلك، حيث تنتقل رحلة الشراء من لحظة آنية إلى مسار أطول وأكثر تخطيطاً.
ويبدأ هذا المسار غالباً قبل أسابيع من حلول الشهر الفضيل، مع تصاعد البحث الرقمي، ومتابعة الإطلاقات، ومقارنة الخيارات، في وقت لم تعد فيه زيارة المتجر الخطوة الأولى، بل المرحلة الأخيرة في كثير من الأحيان.
ولا يقف هذا التحول عند سلوك المستهلك وحده، بل يمتد ليعيد تشكيل قرارات التخطيط والاستثمار لدى العلامات الفاخرة نفسها. فالحضور الرقمي لم يعد مقتصراً على الحملات الترويجية خلال الشهر، بل بات مطلوباً في مرحلة التهيئة الذهنية التي تسبق الشراء، حيث تتكوّن القناعات وتتبلور الرغبات.
وفي سياق رمضان المبكر، يزداد هذا البُعد أهمية، إذ يتقاطع التخطيط الرقمي مع ضيق الوقت وضغط المواسم الأخرى، ما يجعل العلامات التي تستثمر في المحتوى، والخطاب التسويقي المدروس، والتجربة الرقمية متكاملة، أكثر قدرة على تحويل الاهتمام المبكر إلى قرار شراء فعلي عندما يحين التوقيت المناسب.
في نهاية المطاف، بات رمضان اختباراً حقيقياً لمصداقية العلامات الفاخرة في المنطقة. فالمشاريع التي تنجح هي تلك التي تترجم الثقافة المحلية إلى منتجات وتجارب قابلة للاستخدام والاندماج في طقوس الشهر، سواء في السحور أو في ثقافة تبادل الهدايا، من دون الوقوع في فخ الزخرفة السطحية أو الرمزية الجاهزة.