
تحركات سعودية لفتح آفاق اقتصادية أوسع تظهر مع التوجه نحو قطاع المعادن الاستراتيجية، حيث تمضي المملكة في تنفيذ مشروع إنشاء أول مصفاة للمعادن الأرضية النادرة بالتعاون مع شركة «إم بي ماتيريالز» الأميركية.
وضمن صفقة تاريخية تعكس عمق التقاء المصالح الاستراتيجية السعودية الأميركية، تعتزم «إم بي ماتيريالز»، إنشاء أول مصفاة للمعادن الأرضية النادرة في السعودية، مما يضع المملكة على أعتاب مرحلة جديدة في مسيرتها التنموية الطموحة.
ويرى خبيران اقتصادي وآخر جيولوجي تحدثت معهما «إرم بزنس» أن هذه الصفقة تعكس طموحات رؤية 2030 لتدشين مرحلة جديدة من التنويع الاقتصادي تتجاوز النفط، وتجعل من السعودية مركزاً جاذباً للاستثمارات في المعادن الاستراتيجية، وتمنحها دوراً مؤثراً في الصناعات المستقبلية كالسيارات الكهربائية والتكنولوجيا الدفاعية والطاقة المتجددة.
وفي 19 نوفمبر 2025 أعلنت شركة «إم بي ماتيريالز» الشركة الأميركية الرائدة في إنتاج المواد الأرضية النادرة والمغناطيسية، عن شراكتها مع وزارة الحرب الأميركية لإنشاء مشروع مشترك استراتيجي مع شركة التعدين العربية السعودية «معادن»، لتطوير مصفاة للمعادن الأرضية النادرة في المملكة.
وبموجب الاتفاقية، سيمتلك الجانب الأميركي من خلال مشروع مشترك حصة ملكية مستهدفة بنسبة 49%، بينما ستمتلك «معادن» حصة 51%.
وستوفر وزارة الحرب الأميركية التمويل الكامل لمساهمة الولايات المتحدة في المشروع، بينما ستساهم «إم بي ماتيريالز» بخبرتها الفنية العالمية في فصل وتكرير العناصر الأرضية النادرة، بالإضافة إلى قدراتها العالمية في مجال التوريد والتسويق.
ويأتي هذا الاتفاق الملزم بين الأطراف الثلاثة في أعقاب الإطار الاستراتيجي للتعاون في تأمين سلاسل التوريد الحيوية الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة والسعودية، والذي تم توقيعه على هامش زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في 17 نوفمبر.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً أمام منافسة النفط من حيث الحجم والأرباح، إلا أن القيمة الاستراتيجية لهذه المعادن قد تجعلها في المستقبل القريب سلعة لا تقل أهمية عن النفط الذي يعد بمثابة الذهب الأسود للاقتصاد السعودي، وفق حديث الخبير الاقتصادي السعودي أحمد السالم مع «إرم بزنس».
ويؤكد السالم أن مصفاة المعادن النادرة في السعودية تمثل أكثر من مجرد منشأة صناعية، وتعتبر رمزا لتحول استراتيجي عميق، فالمملكة التي قادت عالم الطاقة التقليدية لعقود، تتهيأ الآن لقيادة مرحلة جديدة من اقتصاد المعرفة والصناعات المتطورة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن إنشاء مصفاة للمعادن يعد خطوة محورية نحو إعادة التوازن إلى سلسلة توريد المعادن الأرضية النادرة العالمية، وسيفيد المملكة في نقل التقنية والتدريب وتطوير الأيدي العاملة بالاضافة إلى القمية المضافة إلى الخزانة السعودية.
ووفق السالم، سيستفيد المشروع المشترك من قاعدة الطاقة التنافسية في المملكة، وبنيتها التحتية عالمية المستوى، وموقعها الاستراتيجي، وإمكاناتها الهائلة غير المستغلة من المعادن الأرضية النادرة.
وتمتلك السعودية اكتشافات من المعادن الأرضية النادرة تُقدّر قيمتها بنحو 375 مليار ريال (100 مليار دولار)، وتندرج ضمن تقديرات الثروات المعدنية الإجمالية للمملكة التي ارتفعت بنسبة 90% منذ عام 2018 لتصل إلى 9.4 تريليون ريال في عام 2024، وفق تصريحات صحفية لوزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر الخرف.
وأسفرت الدراسات التفصيلية التي أُجريت في 6 مواقع واعدة لهذه المعادن عن تأكيد وجود موقعين في مراحل الاستكشاف المتقدّم يحتويان على موارد تُقدّر بـ 644 مليون طن، بمتوسط تركيز يبلغ 0.30% من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة.
وحدّدت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية 4 مواقع أخرى كأهداف استكشافية واعدة، بإجمالي تقديرات ما بين 364 و714 مليون طن، مع نسب تركيز تتراوح بين 0.95% و1.66% من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة.
المشروع الجديد يتزامن مع نجاح قطاع التعدين السعودي في جذب استثمارات بلغت أكثر من 30 مليار ريال، بالإضافة إلى العمل على تحفيز استثمارات إضافية بقيمة 120 مليار ريال في عدد من المشروعات يجري إكمال دراستها حاليًا، وفق تصريحات سابقة لنائب وزير الصناعة لشؤون التعدين المهندس خالد المديفر خلال مؤتمر التعدين الأفريقي في جوهانسبرج فبراير الماضي، مشيراً إلى أن قيمة المعادن غير المستغلة في منطقة الدرع العربي وحدها، تُقدر بنحو 1.3 تريليون دولار.
ويشهد سوق العناصر الأرضية النادرة (Rare Earth Elements) العالمي تحولاً ملحوظاً مع استمرار ارتفاع الطلب في مختلف القطاعات، وتقدر قيمة السوق بنحو 6.62 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن تصل إلى 13.07 مليار دولار بنهاية عام 2032، بمعدل نمو سنوي قدره 10.2%، وفق لتقرير لمركز أبحاث السوق «موردر انتليجنيس» اطلعت عليه «إرم بزنس».
ويتوقع تقرير «موردر انتليجنيس»، أن يتوسع إنتاج المعادن الأرضية النادرة من حوالي 196.6 ألف طن في 2025 إلى حوالي 260.4 ألف طن بحلول 2030 وبنمو سنوي 5.8%.
وأوضح عالم الجيولوجيا السعودي الدكتور عبد العزيز بنلعبون في حديث مع «إرم بزنس»، أن المعادن الأرضية النادرة مثل النيكل والليثيوم والنحاس، أصبحت تشكّل «نفط العصر الرقمي»، إذ تعتمد عليها الصناعات الدفاعية والتكنولوجية المتقدمة، والتحول إلى الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي.
ويوضح بنلعبون، أن الكشف عن المعادن في السعودية بدأ عام 1931، بهدف الوصول إلى المناجم المنتجة، التي تعزز جهود التنمية الاقتصادية ودعم الصناعات بالمعادن اللازمة لمنتجاتها، إذ إنه في ظل جهود عمليات المسح الجيولوجي تم اكتشاف 35 حزاماً معدنياً.
ومن أجل تطوير قطاع التعدين السعودي، يشير الخبير الجيولوجي إلى أنه تم تأسيس شركة «معادن» في العام 1997 بمرسوم ملكي، مؤكداً أنه منذ تدشينها ساهمت في الكشف عن موارد كبيرة من احتياطيات المعادن النادرة مثل الذهب والفوسفات والنحاس والزنك والبوكسايت.
وبحسب بنعلبون تعد الآن شركة «معادن» أكبر مستثمر في قطاع التعدين السعودي وكان لها دور كبير في تعزيز احتياطيات المملكة من المعادن النادرة، ووضع السعودية على خريطة الاستثمارات العالمية في هذا القطاع الاستراتيجي.
وخلال الربع الثالث من العام الجاري، حققت «معادن» أرباحاً بنحو 2.21 مليار ريال، فيما زادت إيراداتها بنسبة 24% لتبلغ 10 مليارات، وارتفعت أرباحها بنسبة 127% مقارنة بالفترة ذاتها من 2024. وفي يونيو الماضي رفعت الشركة رأس مالها إلى 38.887 مليار ريال من 38.027 مليار ريال بعد موافقة هيئة السوق المالية.