logo
طاقة

ليبيا تسعى إلى إعادة تموضعها كممر قاري للطاقة والتجارة

ليبيا تسعى إلى إعادة تموضعها كممر قاري للطاقة والتجارة
ميناء البريقة البحري، ليبيا.المصدر: الشركة الليبية للموانئ
تاريخ النشر:

تتحرك ليبيا في 2026 ضمن محاولة اقتصادية تتجاوز إطار «التعافي بعد الصراع» إلى إعادة تعريف دورها في معادلة المتوسط وإفريقيا. تأتي هذه المحاولة تحت ضغط داخلي ناجم عن ارتفاع الإنفاق الجاري واتساع بند الرواتب والدعم، وتحت ضغط خارجي مصدره تقلبات أسعار النفط وتحولات أولويات الشركاء الأوروبيين في ملفي الطاقة والهجرة.

وبين هذين المستويين، تحاول طرابلس، ومراكز القرار في الشرق أيضاً، صياغة رواية اقتصادية قوامها الانتقال من اقتصاد ريعي أحادي المصدر إلى اقتصاد أكثر تنوعاً يرتكز على البنية التحتية والربط الإقليمي.

أخبار ذات صلة

حقل نافورة النفطي في شرق ليبيا- يونيو 2024

بشراكات ومناقصة 11 فبراير.. هل تنجح ليبيا في جذب عمالقة الطاقة؟

من السيولة إلى الإنتاجية

يعتمد الاقتصاد الليبي تاريخياً على تدفقات نقدية سريعة من تصدير الخام، مع محدودية في مساهمة القطاعات غير النفطية وضعف في القاعدة الصناعية والخدمية ذات القيمة المضافة، ويعني ذلك أن الاستقرار المالي يبقى رهناً بمتغير واحد: «سعر النفط». ويؤدي هذا النمط إلى نتيجة متكررة؛ إذ يزداد الإنفاق الجاري في سنوات الوفرة، ثم يتراجع الاستثمار الإنتاجي أو يتأخر عند أول هبوط في الأسعار.

يتضح هذا التحدي أكثر عندما يُنظر إلى بنية الإنفاق العام، حيث تستهلك الرواتب والدعم حصة كبيرة من الموازنة، بما يقلص المرونة المتاحة لتمويل مشاريع طويلة الأجل.

وتبدو توصيات «صندوق النقد الدولي» (IMF) ذات صلة، إذ تركز على ضرورة تحويل الفوائض في الاقتصادات المعتمدة على السلع إلى أصول تعزز الإنتاجية وتوسع القاعدة غير النفطية. ولا يرتبط ذلك بشعار «التنويع» بقدر ما يرتبط بكيفية بناء مصدر دخل ثانٍ يمكنه امتصاص الصدمات عندما يهبط النفط أو يتعثر الإنتاج.

تثبيت الإنتاج قبل توسيع الطموح

يبقى قطاع الطاقة هو القاعدة التي تُموّل أي انتقال اقتصادي محتمل. ويمنح استقرار الإنتاج النفطي عند نطاق يراوح بين 1.3 و1.4 مليون برميل يومياً، وفق أرقام «المؤسسة الوطنية للنفط»، هامشاً يسمح بتوجيه جزء من العائدات نحو الاستثمار الرأسمالي. لكن هذا الاستقرار يفرض هدفين متلازمين: حماية الإنتاج من التذبذب، وتحسين جودة الاستثمار في القطاع نفسه عبر رفع كفاءة الحقول والبنية التحتية ذات الصلة.

وتعكس جولات التراخيص التي شهدها 2026، مع مشاركة شركات مثل «إيني» (Eni) و«توتال إنرجيز» (TotalEnergies)، رغبة في استعادة زخم الاستثمارات طويلة الأجل. لكن يبرز في الوقت نفسه قيد معروف في الاقتصادات النفطية: الاستهلاك المحلي المرتفع للطاقة الذي يستنزف جزءاً من الفائض القابل للتصدير.

وتعيد توصيات «صندوق النقد الدولي» النقاش إلى إصلاح منظومة الدعم وكفاءة الإنفاق، لأن أي توسع إنتاجي قد يبقى محدود الأثر على المالية العامة إذا لم تُعالج اختلالات الطلب المحلي تدريجياً.

أخبار ذات صلة

خلال الإعلان عن نتائج جولة العطاء العام لاستكشاف النفط في ليبيا يوم 11 فبراير 2026.

ليبيا تمنح تراخيص استكشاف لـ«شيفرون» و«إيني» في أول جولة منذ 2007

من موقع جغرافي إلى وظيفة في سلاسل الإمداد

يمتد الساحل الليبي على المتوسط في نقطة اتصال بين شرق الحوض وغربه، ويتصل جنوباً بفضاء الساحل والصحراء، ما يمنحه ميزة نظرية لتطوير ممرات عبور تربط إفريقيا جنوب الصحراء بالأسواق الأوروبية. ويشير «البنك الدولي» (World Bank) إلى أن هذه الميزة بقيت غير مستغلة بالكامل بفعل ضعف البنية التحتية والقيود التنظيمية.

وتتحول الجغرافيا إلى قيمة اقتصادية عندما يصبح العبور أسرع وأقل كلفة وأكثر قابلية للتنبؤ مقارنة بالبدائل. ويعني ذلك أن الموانئ وحدها لا تكفي، والطرق وحدها لا تكفي، بل يتطلب الأمر «منظومة عبور» كاملة؛ تشمل موانئ فعالة، وربط بري قابل للتشغيل التجاري، وإجراءات جمركية سريعة، ونظام قانوني يضمن استقرار القواعد. ويوفر هذا الإطار قاعدة لتحويل ليبيا إلى اقتصاد عبور يقوم على التخزين وإعادة الشحن والخدمات اللوجستية، لا على تصدير الخام فقط.

اختبار القدرة قبل اختبار التمويل

تتطلب مشاريع الربط اللوجستي قدرة تنفيذية مستقرة، لأن عائدها الاقتصادي يعتمد على الالتزام الزمني والكفاءة التشغيلية. ويظهر هنا دور «الجهاز الوطني للتنمية» في إدارة مشاريع ذات أولوية ومحاولة توحيد مسارات القرار وتسريع التنفيذ. لكن تُظهر تجارب الدول الخارجة من النزاع أن التحدي الأكبر لا يكون في إعلان المشاريع بل في تنفيذها ضمن أطر حوكمة واضحة.

تشير دراسات «البنك الأفريقي للتنمية» (African Development Bank) إلى أن الاستثمار في الطرق والموانئ لا يولد عائداً مستداماً إذا لم يُرافقه إصلاح مؤسسي يعزز الشفافية ويحد من ازدواجية القرار ويحسن إدارة العقود. ويعني ذلك أن الخطر الأكبر لا يتمثل في نقص التمويل بقدر ما يتمثل في التعثر الإداري والتأخير، لأن التأخير يرفع الكلفة ويقلل ثقة المستثمر ويضعف القدرة التنافسية للممرات اللوجستية أمام البدائل.

تقاطع الاقتصاد مع الهجرة وأمن الإمداد

يرتبط التحول الاقتصادي الليبي بسياق متوسطي لا يمكن فصله عن علاقات ليبيا مع أوروبا. وتربط تقارير «المفوضية الأوروبية» (European Commission) و«المنظمة الدولية للهجرة» (IOM) بين الأوضاع الاقتصادية ومسارات الهجرة عبر المتوسط، ما يجعل أي تحسن اقتصادي ذا أثر سياسي غير مباشر. لكن لا ينبغي تحويل هذا الربط إلى علاقة حتمية، لأن العوامل السياسية والأمنية تبقى محدداً أساسياً لحركة التدفقات البشرية.

يمنح هذا التقاطع ليبيا مساحة تفاوضية إضافية في علاقتها مع أوروبا، لكنه يضيف أيضاً طبقة من التعقيد على أي مشروع اقتصادي، لأن نجاح الممرات اللوجستية لا يُقاس فقط بحركة التجارة، بل أيضاً بقدرة الدولة على تثبيت الاستقرار الذي يجعل التدفقات قابلة للتوقع.

أخبار ذات صلة

موظف في مكتب صرافة يستخدم آلة عدّ النقود لفرز أوراق الدينار الليبي في طرابلس، 27 أبريل 2016.

تراجع الدينار.. كيف تتفادى عملة ليبيا حصار «الدولار الموازي»؟

معايير قياس واضحة لا وعود

يعتمد نجاح المسار على استقرار إنتاج الطاقة كشرط تمويلي، وعلى بناء منظومة لوجستية متكاملة تربط الساحل بالعمق الإفريقي، وعلى توحيد الإطار المؤسسي والتنظيمي بما يخفض المخاطر ويعزز الثقة. ويُقاس التحول هنا بقدرة الاقتصاد على خلق تدفقات دخل غير نفطية قابلة للقياس خلال السنوات المقبلة، لا بحجم الإعلانات أو العناوين.

وفق تجارب اقتصادات مشابهة، يفشل التحول إذا بقي التنفيذ متذبذباً والإصلاحات جزئية، لأن ذلك سيُبقي النفط محدداً رئيسياً لمسار الاقتصاد. وينجح التحول إذا تحولت الاستثمارات في الموانئ والطرق إلى استخدام فعلي مرتفع، وإذا نجحت المؤسسات في خلق بيئة ثابتة تسمح بتسعير المخاطر عند مستوى مقبول للمستثمرين، وعندها فقط يمكن أن تصبح الجغرافيا الليبية مصدراً لقيمة مضافة مستدامة ضمن اقتصاد إقليمي شديد التنافس.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف