
أعاد الابتكار الأميركي في النفط والغاز الصخري تشكيل مشهد الطاقة العالمي خلال أقل من عقدين، بعدما ارتفع الإنتاج النفطي في الولايات المتحدة من خمسة ملايين برميل يومياً عام 2008 إلى أكثر من 13.3 مليون برميل يومياً في 2023، وقفز إنتاج الغاز الطبيعي إلى نحو 101.6 مليار قدم مكعب يومياً.
هذا التحول الهائل نقل الولايات المتحدة من مركز المستورد المعتمد على الخارج إلى أحد أبرز المنتجين عالمياً، لتنخفض وارداتها من النفط من مستوى 60% إلى ما يقارب 27% فقط بحلول 2024.
ومع ترسخ هذا النموذج القائم على الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، بدأت دول الشرق الأوسط تستكشف كيفية توظيف هذه التقنيات المتقدمة لتعزيز أمن الطاقة، ودعم التنويع الاقتصادي، وتطوير موارد غاز جديدة غير تقليدية قادرة على مواكبة الارتفاع المتزايد في الطلب الإقليمي والعالمي.
وفق تقديرات «وكالة الطاقة الدولية» (IEA)، يُتوقع أن ينمو استهلاك الكهرباء في الشرق الأوسط بنسبة تتراوح بين 3 و4% سنوياً حتى عام 2030، وهو ما يفرض حاجة متزايدة لمصادر إضافية من الغاز.
وتدرك دول الخليج أن الاعتماد على الحقول التقليدية فقط لم يعد خياراً كافياً، بينما يوفر الغاز الصخري وسيلة فعّالة لتخفيف الضغط على تلك الحقول ولتأمين إمدادات مستقرة للطاقة.
في الوقت نفسه، يسمح توسّع الغاز غير التقليدي بتوفير مواد لقيمة لقطاع البتروكيماويات، وبإعادة توجيه النفط الخام نحو التصدير لتعزيز العوائد المالية، وببناء قاعدة تقنية محلية في مجال الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي.
تبرز السعودية في هذا المسار من خلال «مشروع الجافورة»، أكبر مبادرة للغاز الصخري في تاريخ المملكة وأحد أكبر المشاريع عالمياً.
ووفقاً للإفصاح المالي الصادر عن شركة «أرامكو» للربع الثالث من عام 2025، فإن المرحلة الأولى من المشروع تسير وفق الخطة، ومن المقرر استكمالها بنهاية العام نفسه، مع تحقيق الآبار الأولى لمعدلات تدفق تجارية مماثلة لتلك المسجلة في الأحواض الصخرية الأميركية.
وتستند هذه النتائج إلى شراكات تقنية مع شركات خدمات أميركية تمتلك خبرة واسعة في تطوير الحقول الصخرية، ومنها «ناشونال إنيرجي سيرفيسز ريونيتد» (National Energy Services Reunited)، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين الدوليين الذين ضخّوا نحو 11 مليار دولار في البنية التحتية للمشروع بقيادة مؤسسة «بلاك روك» (BlackRock).
وفي نهج موازٍ لكنه مختلف في طبيعته، تمضي الإمارات نحو بناء مركز طاقة متكامل بدلاً من التركيز على مشروع واحد. فقد تعاونت شركة «أدنوك» (ADNOC) مع شركة «إي أو جي ريسورسز» (EOG Resources) الأميركية لتطبيق تقنيات الحفر والتكسير المتقدمة في حقولها غير التقليدية، ما أسهم في تسريع وتيرة التطوير.
ويمثل «مجمع الرويس للصناعات البتروكيماوية» حجر الزاوية في هذا التوجه، إذ يجمع بين إنتاج الغاز غير التقليدي وعمليات التكرير ومرافق تصدير الغاز الطبيعي المسال، مما يوفر مصادر متعددة للإيرادات ويعزز الكفاءة التشغيلية على نحو مشابه لمراكز الطاقة الكبرى في الولايات المتحدة.
يتزامن هذا التحول الإقليمي مع ارتفاع عالمي حاد في الطلب على الغاز، مدفوع بقطاعات جديدة تستهلك الطاقة بوتيرة سريعة، وعلى رأسها مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، التي قد تمثل وحدها بين 40 و50% من الزيادة العالمية في الطلب حتى عام 2040.
كما تسهم المخاوف الجيوسياسية المتعلقة بخطوط الأنابيب في رفع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال، بينما يتوقع أن يرتفع استهلاك الكهرباء في الشرق الأوسط بنسبة 50% بحلول 2035، مع استحواذ التبريد والتحلية على جزء كبير من هذا النمو.
وفي مواجهة هذا المشهد، تبرز مشاريع الغاز الصخري في دول الخليج باعتبارها محوراً أساسياً لضمان أمن الإمدادات محلياً وعالمياً، وتعزيز قدرة المنطقة على لعب دور متقدم في أسواق الغاز خلال السنوات المقبلة.
وتواجه الشركات الأميركية ارتفاعاً مستمراً في «أسعار التعادل» — أي السعر المطلوب لتغطية كلفة الحفر والتطوير والإنتاج — إذ ارتفع هذا المستوى إلى نحو 70 دولاراً للبرميل حالياً، مع توقعات بصعوده إلى قرابة 95 دولاراً بحلول عام 2035.
ورغم أن استخدام الذكاء الاصطناعي أدى إلى تقليص مدة الحفر إلى 13 يوماً فقط، فإن التراجع في إنتاجية الآبار يدفع الشركات الأميركية نحو مزيد من التعاون مع الأسواق الخارجية، ما يعزز انتقال التكنولوجيا إلى المنطقة ويجعل الشرق الأوسط نقطة استقطاب جديدة لهذه الشركات.
وفي الاتجاه نفسه، تتبلور في المنطقة رؤية جديدة لمزيج طاقي أكثر توازناً يجمع بين الموارد الأحفورية والتقنيات النظيفة. فمشروعات الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تسجّل نمواً سريعاً مرشّحاً لرفع القدرة الإنتاجية من 24 غيغاواط في 2024 إلى أكثر من 180 غيغاواط بحلول 2030، بينما يُرجّح أن يسهم الغاز الطبيعي في تلبية نحو نصف الزيادة المتوقعة في الطلب على الكهرباء خلال العشرين عاماً المقبلة.
ومع تراجع اعتماد الشبكات على النفط ليقترب من 5% فقط، يبرز التكامل بين الغاز الصخري والطاقة المتجددة كمسار عملي لبناء منظومة طاقة أكثر مرونة واستدامة على المدى البعيد.
وتنعكس هذه التطورات في تحول جوهري في التحالفات العالمية. فبعد أن كانت الشركات الغربية تتحكم لعقود في تدفقات النفط العالمية، باتت دول الشرق الأوسط اليوم تستفيد من التكنولوجيا الأميركية مع الحفاظ على سيادتها الكاملة على مواردها، ما يوفر علاقة جديدة قائمة على المعرفة بدلاً من السيطرة.
وتؤدي هذه الشراكة إلى نمط جديد من التطوير المشترك للطاقة يجمع بين الابتكار الأميركي ورأس المال الخليجي، وقد يفرز جيلاً جديداً من المصدرين الإقليميين لتكنولوجيا الطاقة ويعزز القدرات العالمية في إنتاج الغاز الطبيعي المسال.