وأوضح اثنان من خبراء الطاقة لـ "إرم الاقتصادية"، أن التوسع في صناعة التكرير سيعمل بالفعل على خفض نفقات الطاقة، لكنهما انتقدا في الوقت نفسه عدم الإعلان عن الخطة التي يمكن من خلالها إنجاز مشروعات التكرير، وطالبا الحكومة بأن تأخذ بعين الاعتبار عدة نقاط؛ أبرزها استشراف مشورة القطاع الخاص ووضع آليات تتيح مشاركته في هذه المشروعات، على أن يكون دور الدولة إشرافيا، مع منح القطاع الخاص أولوية في التنفيذ حتى تتحقق جدوى المشروع.
وتستهلك مصر سنوياً نحو 12 مليون طن سولار، ونحو 6.7 مليون طن بنزين، ويُتوقّع أن تنعكس أي زيادة في نشاط التكرير، على خفض فاتورة استيراد المنتجات البترولية.
وأعلن رئيس الوزراء المصري د. مصطفى مدبولي، في سبتمبر الماضي، أن بلاده ستوقف استيراد المنتجات البترولية المكررة مثل البنزين والسولار، وتعمل على تكريرها محلياً.
وأطلقت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، في عام 2016، استراتيجية طموحة لتطوير صناعة تكرير البترول وزيادة الطاقة الإنتاجية من المنتجات البترولية والبتروكيماوية لتأمين هذه المنتجات الحيوية محلياً وتقليل الاستيراد.
وراعت هذه الاستراتيجية إضافة كيانات وطاقات وقدرات جديدة، مما أسفر عن تشغيل 8 مشروعات جديدة مع توسعات في مصافي التكرير القائمة، بتكلفة استثمارية إجمالية تزيد على 5 مليارات دولار.
وقالت الوزارة إنه بناءً على ما تحقق من نجاح، سيتم الإسراع حالياً في تنفيذ مشروعات تكرير جديدة باستثمارات تبلغ حوالي 7.5 مليار دولار، سيتم الانتهاء من تشغيلها تباعاً، ومن أهمها مشروع توسعات مصفاة تكرير ميدور بالإسكندرية، والذي تم الانتهاء من مرحلتيه الأولى والثانية وبدء تشغيلهما تجريبياً.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي د. إيهاب نافع، إن توجه الدولة نحو التوسع في مشاريع التكرير خطوة مهمة جدا، وتعمل على خفض مخصصات الطاقة بالفعل في ميزانية الدولة، لكن الأهم قبل كل ذلك، هو إيجاد آلية واضحة ومحددة في تنفيذ ذلك، فلا نستطيع تحديد نسبة خفض التكاليف لعدم وضوح الخطة التي يمكن من خلالها استنتاج أرقام بعينها.
وتابع نافع، في تصريحات لـ «إرم الاقتصادية»، أنه "يبدو أننا لا نملك ميزة نسبية كبيرة في هذه الصناعة، خاصة المشاريع التي تعتمد على الطاقة الكهربائية"، لكن في ظل الظروف الراهنة والاضطراب الشديد في سلاسل التوريد والأزمات المتلاحقة منذ تفشي جائحة كورونا، فإن الأوضاع تدفعنا دفًعا إلى الاتجاه لتوطين صناعة التكرير، حتى وإن كانت التكلفة مرتفعة نسبيًا.
ورأى الخبير الاقتصادي أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: من سيتولى تنفيذ ذلك؟ لاسيما في ضوء التوجهات العامة بتخارج الدولة من كثير من المشاريع بهدف إعطاء مساحة أكبر للقطاع الخاص، خاصة أنه حال قامت الحكومة بتنفيذ المشروع فلا جدوى منه؛ لأنها لا تأخذ اعتبارات الجدوى الاقتصادية كما يجب أن تكون، لكن مع ذلك لا مانع من مشاركة الدولة في تلك المشاريع شريطة إفساح مجال أوسع للقطاع الخاص.
وطالب نافع الحكومة بإعداد خطط للمشروعات المتعلقة بالتكرير ترتكز على المرونة الكافية قبل بدء طرحها على المستثمرين والقطاع الخاص سواء المحلي أو الأجنبي للمشاركة في عملية التنفيذ، مشيرًا إلى أن اقتصاديات تلك المشاريع تتوقف على مدى جاذبيتها للقطاع الخاص من عدمه، وبالتالي يتعين على الحكومة استشراف رأي القطاع الخاص أولًا؛ للتيقن من مدى جدوى هذه المشاريع.
من جهته، قال أستاذ البترول والتعدين بكلية الهندسة جامعة القاهرة د. حسام عرفات، إن الحكومة المصرية تعتزم العام المقبل رفع واردات النفط الخام من الكويت، إحدى الدول الثلاث الموردة لخام البترول لمصر إلى جانب ليبيا والعراق، إلى 4 ملايين برميل شهريا من 2.25 مليون برميل خلال الوقت الحالي.
وأوضح عرفات، في تصريحات لـ«إرم الاقتصادية»، أن مصر تستورد منتجات النفط المكررة من بنزين وسولار رغم وجود بنية تحتية ترتكز على 12 معمل تكرير للنفط بطاقة إنتاجية يمكن تعزيزها حتى 53 مليون طن سنويا، في حين أن معامل التكرير في الوقت الحالي تعمل بطاقة إنتاجية تبلغ 34 مليون طن سنويا، ما يعني تواجد طاقة إنتاجية غير مستغلة نظرا لعدم توافر كميات النفط الخاصة بعمليات التكرير.
ويرى عرفات أن زيادة واردات الخام من الكويت سترفع معدلات التكرير؛ ما يخدم توجه البلاد لتوفير النقد الأجنبي المستخدم في شراء المنتج النهائي من السولار والبنزين، إلى جانب محاولة تخفيض قيمة شراء المواد البترولية نفسها.
وعن أثر ذلك على فاتورة واردات النفط التي تجاوزت 13 مليار دولار في العام الماضي، قال أستاذ البترول إنه يصعب التكهن بذلك في الوقت الحالي الذي يشهد تذبذبا في أسعار الزيت الخام عالميًا نتيجة الأحداث الجيوسياسية، موضحا أنه على الرغم من وجود تحوط حيوي لذلك التذبذب يتمثل في العقود الآجلة لكن نقص الدولار يضغط على الموارد الشحيحة بالفعل من النقد الأجنبي، خاصة في ظل تراجع سعر الجنيه المصري، وهو ما أثر على الموازنة العامة للدولة، الأمر الذي ظهرت بوادره في صورة عجز بنسبة 3% في أول ثلاث شهور من موازنة العام الجاري.
وبحسب تقرير ميزان المدفوعات الصادر من البنك المركزي المصري، وصل إجمالي مدفوعات مصر لقاء المواد البترولية إلى 13.407 مليار دولار خلال العام المالي 2022/2023، مقابل 13.545 مليار دولار في العام المالي السابق عليه، بانخفاض نسبته 1.02% بما قيمته 138 مليون دولار.