استثمارات سعودية تقترب من 25 مليار دولار

لم تعد المعادن الاستراتيجية مجرد مدخلات للصناعات التقليدية، بل أصبحت ركائز أساسية لإعادة بناء الاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد الطاقة الأحفورية. فالنحاس والنيكل والكوبالت والمنغنيز باتت عناصر حاسمة في سلاسل البطاريات والطاقة المتجددة والبنية التحتية الصناعية منخفضة الكربون، ما يعيد رسم خريطة العلاقات الاقتصادية بين مناطق الإنتاج ودوائر التصنيع العالمية.
في هذا السياق، يعكس التوسع الخليجي في قطاع التعدين الإفريقي تحولاً اقتصادياً من التركيز على تأمين المواد الخام إلى بناء سلاسل قيمة صناعية متكاملة. ويستهدف هذا التوجه تعزيز استقرار الإمدادات، ودعم الصناعات المرتبطة بالتحول الطاقي، وإقامة روابط إنتاجية طويلة الأمد بين مواقع الاستخراج ومراكز المعالجة والتصنيع.
تشير بيانات حديثة إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر لدول مجلس التعاون الخليجي في إفريقيا تجاوز 179 مليار دولار حتى عام 2025، مع تصدّر الإمارات القائمة باستثمارات بلغت نحو 119 مليار دولار خلال الفترة بين 2020 و2024، تليها السعودية بنحو 25 مليار دولار، إلى جانب مساهمات متنامية من قطر والكويت والبحرين في قطاعات متعددة.
وخلال الفترة بين 2013 و2022، تجاوزت الاستثمارات الخليجية في القارة الإفريقية حاجز 100 مليار دولار، استحوذت الإمارات على نحو 60 مليار دولار منها، وفق بيانات منشورة، ما يؤكد تعمّق العلاقات الاقتصادية واتساعها لتشمل الموارد الطبيعية والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا.
تلعب دول الخليج، مجتمعة، دوراً متزايد الأهمية في توسيع الشراكات الاقتصادية مع إفريقيا، من خلال استثمارات لا تقتصر على قطاع التعدين فحسب، بل تمتد إلى البنية التحتية، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والتنمية الصناعية. ويمثل هذا الحضور الخليجي المتنامي توجهاً استراتيجياً نحو بناء منظومات اقتصادية مترابطة تربط الموارد الطبيعية الإفريقية بسلاسل القيمة الصناعية والأسواق العالمية.
وقد أبرمت شركات إماراتية صفقات بارزة في قطاع التعدين، من بينها استحواذ «إنترناشيونال ريسورسز هولدينغ» (International Resources Holdings) على حصة في مناجم النحاس. كما يسهم الحضور الإماراتي القوي في الموانئ والخدمات اللوجستية في تعزيز ربط سلاسل القيمة بين مواقع التعدين الإفريقية والأسواق العالمية.
وفي السياق نفسه، تسعى المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الأخرى إلى تنويع استثماراتها في إفريقيا بما يتماشى مع أهدافها الصناعية والاقتصادية الأوسع. وتحظى الاستثمارات السعودية في البنية التحتية، والطاقة، والمشروعات المستدامة باهتمام متزايد من الحكومات الإفريقية، ضمن شراكات طويلة الأمد تستهدف دعم التنمية الاقتصادية وبناء القدرات الصناعية.
كما تبرز دولة قطر ودول خليجية أخرى في شراكات تمويلية واستثمارية مرتبطة بالمعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة، ما يعزز اندماج رؤوس الأموال الخليجية في مشاريع تنموية ذات مردود اقتصادي واسع، ويؤكد الطابع التكاملي للدور الخليجي في المشهد الاستثماري الإفريقي.
لم تعد الشراكات الخليجية–الإفريقية تقتصر على استخراج المواد الخام، بل امتدت إلى تطوير البنية التحتية، وتبادل التكنولوجيا، وتعزيز المحتوى المحلي. وأصبحت العلاقة الاقتصادية أكثر تفاعلاً، مع دخول شركات إفريقية إلى أسواق الخليج واستخدام المناطق الحرة كمنصات للتمويل والتوسع، بما يعكس تدفقاً متبادلاً للمنفعة.
ويشمل هذا التكامل قطاعات الطاقة المتجددة والتحول الصناعي والتقنيات الحديثة، حيث يرتبط الطلب الخليجي على المعادن الحيوية بالحاجة إلى دعم الابتكار في الصناعات النظيفة وتقنيات الطاقة الجديدة.
وبالإضافة إلى تدفقات رأس المال، تتيح هذه الشراكات للدول الإفريقية فرصة الاندماج الأعمق في الاقتصاد الصناعي العالمي، من خلال تحسين الوصول إلى الأسواق، وتطوير المعايير التشغيلية، وتعزيز القدرات التنظيمية والمؤسسية في قطاع التعدين. فالتعامل مع مستثمرين يعملون ضمن سلاسل قيمة عالمية يساهم في رفع كفاءة الحوكمة الصناعية، وتحسين ممارسات السلامة والبيئة، وتبنّي نماذج تشغيل أكثر استدامة وتنافسية.
كما تفتح هذه الشراكات المجال أمام تنويع القاعدة الاقتصادية المحلية في الدول المنتجة للمعادن، عبر خلق أنشطة داعمة تمتد إلى الخدمات، والنقل، والصيانة، والتصنيع الوسيط، ما يوسّع الأثر الاقتصادي خارج نطاق المناجم نفسها. وفي هذا السياق، تصبح الاستثمارات التعدينية نقطة انطلاق لمنظومات اقتصادية أوسع، قادرة على خلق فرص عمل نوعية وتعزيز الترابط بين القطاعات الإنتاجية داخل الاقتصادات الإفريقية.
في هذا الإطار، برز «منتدى مستقبل المعادن»، الذي انعقد مؤخراً في الرياض، كمنصة عاكسة للتحولات الجارية في الاقتصاد المعدني العالمي، أكثر من كونه فعالية مستقلة بذاتها. فقد أظهر المنتدى كيف بات التعدين يُنظر إليه ضمن منظومة صناعية مترابطة تجمع بين الاستخراج والمعالجة والتصنيع والتحول الطاقي.
وشكّل المنتدى مساحة لتلاقي الرؤى الخليجية والإفريقية حول تطوير سلاسل قيمة متكاملة للمعادن الاستراتيجية، من خلال نماذج تعاون تجمع بين الاستثمار طويل الأجل، ونقل التقنية، وتطوير البنية التحتية، وربط المناجم بالصناعات التحويلية. وعكس تنوع المشاركات إدراكاً متزايداً بأن مستقبل المعادن لا يُقاس بحجم الاحتياطيات فقط، بل بقدرة الدول على الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية ذات القيمة المضافة.