
تراجع الدولار الأميركي أمام العملات الرئيسية خلال تعاملات الثلاثاء، متخلياً عن جزء من مكاسبه في الجلسة السابقة، بعدما أدى طلب قياسي على السندات الحكومية اليابانية طويلة الأجل إلى ارتفاع الين، فيما ساعد انحسار الاضطرابات في فرنسا على استقرار اليورو.
وانخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من 6 عملات رئيسية، بنسبة 0.19% إلى 101.79 نقطة، بعدما ارتفع إلى 101.98 نقطة خلال تعاملات الاثنين، وسط استمرار الضغوط الناتجة عن تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية.
وجاء تراجع العملة الأميركية بالتزامن مع تحولات في تدفقات المستثمرين نحو أسواق السندات، خصوصاً في اليابان، حيث سجل الطلب على أدوات الدين الحكومية مستويات غير مسبوقة.
تصدر الين الياباني مكاسب العملات الرئيسية خلال التعاملات الآسيوية، منهياً سلسلة خسائر استمرت يومين، مع اضطرار المستثمرين إلى تقليص مراكزهم التي تراهن على ارتفاع الدولار.
وشهد مزاد للسندات الحكومية اليابانية لأجل 20 عاماً إقبالاً استثنائياً من المستثمرين، إذ بلغت نسبة تغطية الاكتتاب 5.84 مرة حجم السندات المطروحة، وفقاً لوكالة «رويترز».
ويمثل هذا المستوى أعلى نسبة تغطية مسجلة منذ بدء إصدار السندات اليابانية لأجل 20 عاماً في عام 1987، ما يعكس شهية قوية لدى المؤسسات الاستثمارية للاستفادة من العوائد المرتفعة نسبياً.
وأدى الطلب الكبير إلى انخفاض عوائد السندات اليابانية لأجل 20 عاماً بما يصل إلى 6 نقاط أساس، لتبلغ 3.71%، في إشارة إلى توجه المستثمرين نحو تثبيت عوائد طويلة الأجل.
وانعكس هذا الإقبال على سوق العملات، إذ تراجع الدولار أمام الين بنسبة 0.3% إلى نحو 158.10 ين، مسجلاً أفضل أداء للعملة اليابانية في 3 أسابيع.
ويأتي صعود الين قبل المراجعة المقبلة للسياسة النقدية لبنك اليابان، التي يترقبها المستثمرون للحصول على مؤشرات بشأن مسار أسعار الفائدة، وتأثيرها المحتمل في تدفقات رؤوس الأموال وأسعار الصرف.
وفي أوروبا، استقر اليورو بعدما لامس الأسبوع الماضي أدنى مستوياته منذ مايو 2025، إذ ارتفع بنسبة 0.2% إلى 1.1231 دولار.
وجاء تحسن العملة الأوروبية مع ظهور مؤشرات على انحسار مؤقت للاضطرابات الاجتماعية في فرنسا، بعدما فرضت السلطات حظر تجول مشدداً في باريس ونيس وعدد من المدن الكبرى، عقب أيام من الاحتجاجات العنيفة المناهضة للحكومة.
ورغم الهدوء النسبي، لا تزال المخاوف المتعلقة بالمالية العامة الفرنسية تشكل ضغطاً رئيسياً على اليورو، في ظل استمرار ارتفاع علاوة المخاطر على السندات الحكومية الفرنسية.
واتسع فارق العائد بين السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات ونظيرتها الألمانية بنحو 10 نقاط أساس إلى 147.3 نقطة أساس خلال تعاملات الاثنين، ما يعكس استمرار قلق المستثمرين بشأن الأوضاع المالية في فرنسا.
وتترقب أسواق العملات تصويت الجمعية الوطنية الفرنسية على قسم الإيرادات من مشروع موازنة عام 2027، في اختبار مهم لإدارة الرئيس إيمانويل ماكرون، التي تسعى إلى احتواء عجز الموازنة البالغ 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي بريطانيا، سجل الجنيه الإسترليني مكاسب قوية أمام الدولار، مرتفعاً بنسبة 0.4% إلى 1.3350 دولار. وجاء صعود العملة البريطانية مدعوماً ببيانات رسمية أظهرت قوة غير متوقعة في نمو الأجور وخلق الوظائف، ما عزز ثقة المستثمرين بمتانة سوق العمل البريطانية.
وتشير هذه البيانات إلى استمرار الضغوط المرتبطة بالأجور، وهو ما قد يؤثر في توقعات المستثمرين بشأن المسار المقبل للسياسة النقدية لبنك إنجلترا.
وبذلك، تواجه العملة الأميركية ضغوطاً من عدة اتجاهات، أبرزها انخفاض عوائد سندات الخزانة الأميركية، وتعافي الين بفعل الطلب القوي على السندات اليابانية، إلى جانب تحسن أداء العملات الأوروبية.
وتبقى تحركات الدولار خلال الفترة المقبلة مرتبطة بتطورات أسواق السندات العالمية، وقرارات البنوك المركزية الكبرى، فضلاً عن المخاطر السياسية والمالية في أوروبا.