
تواجه العملة الهندية «الروبية» ضغوطاً متزايدة لا ترتبط فقط بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب مع إيران، بل تعكس أيضاً اختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد.
فعلى الرغم من أن الاقتصاد الهندي يحقق نمواً يفوق معظم نظرائه في آسيا، بما في ذلك الصين، تراجعت قيمة الروبية سنوياً منذ عام 2018. وتسارع هذا الانخفاض العام الماضي عقب فرض رسوم جمركية مرتفعة من قبل الولايات المتحدة على الواردات الهندية، قبل أن تبلغ العملة مستوى قياسياً منخفضاً هذا العام مع صدمة أسعار الطاقة الناتجة عن الحرب.
يرى اقتصاديون أن الأسباب الرئيسية لضعف الروبية تعود إلى عوامل داخلية، أبرزها التضخم المرتفع وعدم كفاءة سلاسل الإمداد، إلى جانب الاعتماد الكبير على الواردات، خصوصاً الطاقة. وتُعد الهند ثالث أكبر مستورد للنفط عالمياً، إذ تعتمد على الخارج لتلبية نحو 90% من احتياجاتها.
كما يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الطلب على الدولار لتمويل الواردات، ما يضعف العملة المحلية. وتشير تقديرات إلى أن وصول أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل قد يرفع فاتورة الواردات بنحو 5 مليارات دولار شهرياً، وفقاً لما أوردته «بلومبرغ».
تفاقمت الضغوط على الروبية مع خروج المستثمرين الأجانب من الأسواق الهندية، مدفوعين بمخاوف تتعلق بالنمو الاقتصادي وارتفاع تقييمات الأسهم وضعف أرباح الشركات، إضافة إلى تأثير الرسوم الجمركية الأميركية.
كما يسهم ضعف العملة في تعميق عجز الحساب الجاري، إذ ترتفع تكلفة الواردات الأساسية مثل النفط والغاز والأسمدة والإلكترونيات، ما يزيد الأعباء على المالية العامة ويحد من قدرة الحكومة على دعم المواطنين.
ورغم أن تراجع الروبية يجعل الصادرات الهندية أكثر تنافسية عالمياً، فإنه في المقابل يرفع تكاليف المعيشة. كما يدعم تحويلات العاملين في الخارج، التي تتجاوز 135 مليار دولار سنوياً، إذ تتحول الدولارات إلى عدد أكبر من الروبيات.
لكن هذه التحويلات قد تتأثر سلباً مع تباطؤ اقتصادات دول الخليج نتيجة تداعيات الحرب.
من جانبه، أكد بنك الاحتياطي الهندي أنه يتدخل فقط للحد من التقلبات الحادة، وليس لاستهداف مستوى معيناً للعملة. ويعتمد في ذلك على بيع الدولار من احتياطياته أو استخدام أدوات مشتقات مالية.
غير أن هذه التدخلات أدت إلى تراجع الاحتياطيات الأجنبية بأكثر من 30 مليار دولار منذ اندلاع الحرب، دون أن تنجح في وقف تدهور الروبية. كما لجأ البنك إلى إجراءات إضافية للحد من المضاربات، مثل تقييد مراكز البنوك في سوق العملات.
يحذر محللون من أن هذه الإجراءات قد توفر دعماً مؤقتاً فقط، في ظل استمرار خروج رؤوس الأموال وعجز الحساب الجاري. وحتى في حال انتهاء الحرب، من غير المرجح أن تحقق الروبية تعافياً مستداماً، إذ لا تزال العوامل الهيكلية الضاغطة قائمة، ما يهدد استقرار العملة على المدى الطويل.