
تراجعت سوق الاكتتابات العامة الأولية عالمياً خلال الربع الأول من العام الحالي إلى أسوأ مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، في إشارة تعكس تصاعد حذر المستثمرين وتراجع شهية المخاطرة رغم غياب أزمة اقتصادية عالمية مؤكدة حتى الآن.
ووفق بيانات «Renaissance Capital» و«Dealogic»، انخفض حجم الاكتتابات العامة الأولية عالمياً 61% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في أداء يُعد الأضعف منذ انهيار بنك «ليمان براذرز» وتجمّد أسواق الائتمان قبل نحو 18 عاماً.
يشير هذا التراجع الحاد إلى أن الأسواق باتت تسعّر مستويات مرتفعة من الخوف والقلق، حتى دون وجود مؤشرات مكتملة على ركود عالمي أو أزمة مالية شاملة؛ ما يعكس حالة ترقب شديدة تجاه مستقبل أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي العالمي.
وتُظهر بيانات سوق الاكتتابات الأميركية، التي رصدها «Renaissance Capital» بين عامي 2016 و2026، حجم التحولات الكبيرة التي شهدتها السوق خلال العقد الأخير.
فبعد أن بلغت عائدات الاكتتابات في الولايات المتحدة نحو 18.8 مليار دولار عام 2016، واصلت السوق صعودها تدريجياً لتصل إلى 78.2 مليار دولار في 2020، قبل أن تسجل ذروة تاريخية عند 142.4 مليار دولار في 2021.
جاءت تلك القفزة مدفوعة بمزيج من أسعار الفائدة شبه الصفرية، وتدفق المستثمرين الأفراد إلى الأسواق خلال فترة الجائحة، إلى جانب الطفرة الكبيرة في شركات الاستحواذ ذات الأغراض الخاصة المعروفة بـ(SPACs).
لكن المشهد تغيّر بصورة حادة في 2022، بعدما بدأ «الفيدرالي الأميركي» واحدة من أسرع دورات رفع الفائدة في التاريخ الحديث، مع زيادة بلغت 425 نقطة أساس خلال عام واحد فقط؛ ما أدى إلى تراجع شهية المخاطرة وانهيار الزخم الذي كانت تعيشه الأسواق.
وبحسب البيانات، هوت عائدات الاكتتابات الأميركية من 142.4 مليار دولار في 2021 إلى 7.6 مليار دولار فقط في 2022، في أكبر تراجع سنوي ضمن البيانات المرصودة، قبل أن تشهد السوق محاولات تعافٍ تدريجية خلال 2023 و2024 و2025.
إلا أن بيانات الربع الأول من 2026 تشير إلى أن سوق الطروحات الجديدة لا تزال تواجه ضغوطاً كبيرة، وسط استمرار ارتفاع تكلفة التمويل، وتشدد المستثمرين تجاه تقييمات الشركات الجديدة، وتراجع الإقبال على الأصول عالية المخاطر.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الضعف قد يؤثر على خطط التمويل والتوسع لدى شركات التكنولوجيا والشركات الناشئة، التي تعتمد بصورة كبيرة على أسواق الأسهم لجمع السيولة، خصوصاً بعد سنوات من الوفرة النقدية التي دعمت موجة الاكتتابات القياسية خلال فترة الجائحة.