
تحولت السندات الحكومية الخليجية إلى منافس قوي للودائع المصرفية، بعدما قفزت عوائد بعض الإصدارات السيادية إلى مستويات تتجاوز ضعف الفائدة التي يحصل عليها المدخر من عدد من الودائع البنكية التقليدية، مع اقتراب عائد السندات الحكومية البحرينية من 9%، وتجاوز متوسط عائد السندات السيادية السعودية الدولارية 6.5%.
وتأتي هذه المستويات في وقت تشهد فيه أسواق الدين العالمية موجة ارتفاع قوية في العوائد، مدفوعة بمخاوف التضخم وتزايد إصدارات الديون وارتفاع تكاليف الطاقة بحسب «رويترز».
وتكشف المقارنة مع فوائد الودائع عن فجوة كبيرة في بعض الحالات. ففي الإمارات، يعرض بنك أبوظبي الأول، وفق الأسعار المنشورة على موقعه، فائدة تتراوح بين 3.88% و3.98% على الودائع بالدرهم لأجل 12 شهراً، بحسب قيمة الوديعة.
وهذا يعني أن السند الحكومي الذي يحقق عائداً يتجاوز 8% يمنح المستثمر أكثر من ضعف عائد وديعة مصرفية عند نحو 4%، وإن كانت المخاطر والسيولة وطبيعة الاستثمار تختلف بين الأداتين.
وتبرز البحرين في مقدمة أسواق الدين الخليجية من حيث ارتفاع العوائد، إذ بلغ عائد السندات الحكومية البحرينية لأجل 5 سنوات نحو 8.44% في 1 أكتوبر 2026.
وكان العائد قد بلغ 8.09% في نهاية سبتمبر، مقارنة بنحو 7.57% في 24 سبتمبر، ما يعكس الارتفاع السريع في تكلفة الاقتراض خلال فترة قصيرة. وتعني هذه المستويات أن استثماراً بقيمة $100 ألف عند عائد 8.44% يعادل عائداً نظرياً يبلغ نحو $8,440 سنوياً، مقارنة بنحو $3,880 إلى $3,980 فقط إذا وُضع المبلغ نفسه في وديعة لأجل عام بعائد مماثل للأسعار المعلنة لدى بنك أبوظبي الأول.
وبذلك، يزيد عائد السند البحريني على ضعف فائدة الوديعة في هذه المقارنة. ولا تقتصر العوائد المرتفعة في البحرين على السندات طويلة الأجل، إذ أعلن مصرف البحرين المركزي في نهاية سبتمبر أن الإصدار رقم 2141 من أذونات الخزانة الحكومية لأجل 91 يوماً سجل معدل فائدة بلغ 5.49%، وجرى تغطية الإصدار بنسبة 213%.
لكن العائد المرتفع على السندات البحرينية لا يعني أنها تمنح المستثمر «فائدة مجانية» أعلى من بقية دول الخليج، إذ يعكس أيضاً علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالدين البحريني.
وفي السعودية، تظهر بيانات سوق الدين أيضاً عوائد مرتفعة مقارنة بالودائع التقليدية. وبحسب بيانات «سي بوندس»، بلغ مؤشر العائد حتى الاستحقاق للسندات السيادية السعودية المقومة بالدولار 6.58% في 1 أكتوبر 2026.
كما تظهر بيانات السوق المالية السعودية «تداول» أن أحد الصكوك الحكومية السعودية سجل عائداً عند آخر صفقة بنحو 5.92%، بينما وصل أفضل عائد شراء معروض إلى نحو 6.07% في نهاية سبتمبر.
وعند عائد 6.58%، فإن استثماراً بقيمة $100 ألف يعادل عائداً نظرياً يبلغ نحو $6,580 سنوياً، مقابل أقل من $4 آلاف تقريباً على وديعة مصرفية بعائد يقترب من 4%.
وتوضح الأرقام أن السندات السعودية لا تمنح بالضرورة ضعف عائد كل الودائع، لكنها توفر فارقاً كبيراً مقارنة بعدد من المنتجات المصرفية التقليدية.
وتصبح المقارنة أكثر وضوحاً عند تحويل النسب إلى أرقام فعلية. فاستثمار $100 ألف بعائد 8.44% يعني عائداً نظرياً يبلغ $8,440 سنوياً، بينما يحقق المبلغ نفسه نحو $6,580 عند عائد 6.58%.
وفي المقابل، فإن وديعة بقيمة $100 ألف بعائد 3.88% تحقق نحو $3,880 سنوياً، بينما ترتفع إلى $3,980 عند فائدة 3.98%. وبالتالي، يمكن لبعض السندات الحكومية الخليجية بالفعل أن تمنح أكثر من ضعف عائد بعض الودائع المصرفية.
لكن هذه المقارنة لا تعني أن السندات والودائع منتجان متماثلان. فالوديعة المصرفية تمنح العميل فائدة متفقاً عليها مقابل إبقاء الأموال لدى البنك لفترة محددة، بينما يتغير سعر السند يومياً في السوق.
يأتي ارتفاع العوائد الخليجية ضمن موجة أوسع في أسواق الدين العالمية. وذكرت «رويترز» في نهاية سبتمبر أن السندات العالمية اتجهت نحو تسجيل أسوأ أداء شهري منذ سنوات، تحت ضغط تدهور أوضاع المالية العامة وزيادة إصدارات الديون وارتفاع التضخم وأسعار الطاقة.
كما ارتفعت أسعار الفائدة في الإمارات خلال سبتمبر، إذ رفع مصرف الإمارات المركزي سعر الأساس على تسهيلات الإيداع لليلة واحدة إلى 3.90%، بالتزامن مع تحرك السياسة النقدية الأميركية.
وتظهر أحدث بيانات مصرف الإمارات المركزي أن سعر «إيبور» لأجل عام بلغ 5.046% في 5 أكتوبر 2026، مقابل 4.39% لأجل 6 أشهر و4.30% تقريباً لأجل 3 أشهر.
ويعكس ذلك بيئة فائدة مرتفعة لا تقتصر على السندات، بل تمتد أيضاً إلى تكلفة الاقتراض وأسعار الودائع والتمويل في القطاع المصرفي.
وتتميز السندات الحكومية عموماً بتقلبات أقل من أسواق الأسهم، إذ قد تكون السندات القصيرة الأجل أقل تقلباً بنحو 80% إلى 90%، بينما تضيق الفجوة في السندات طويلة الأجل، التي تصبح أكثر حساسية لتحركات أسعار الفائدة، وقد تقترب تقلباتها في فترات الاضطراب الحاد من مستويات تقلب الأسهم.
يرتبط ارتفاع عائد السندات بعاملين أساسيين: أسعار الفائدة والمخاطر الائتمانية. فعندما تنخفض أسعار السندات المتداولة في السوق يرتفع العائد عليها، والعكس صحيح. ولذلك فإن وصول العائد إلى 8% أو 9% لا يعني بالضرورة أن الحكومة تدفع كوبوناً نقدياً بهذه النسبة.
فالعائد حتى الاستحقاق يأخذ في الاعتبار سعر شراء السند في السوق، والكوبونات التي يحصل عليها المستثمر، والقيمة الاسمية التي يستردها عند حلول موعد الاستحقاق.
كذلك تختلف العوائد بين الحكومات الخليجية وفق التصنيف الائتماني والأوضاع المالية وحجم الدين وأجل السند، وهو ما يفسر وجود فارق كبير بين عائد بعض الإصدارات البحرينية ونظيرتها في دول خليجية ذات تصنيفات ائتمانية أعلى.
ورغم جاذبية العائد، لا يمكن النظر إلى السند الحكومي باعتباره بديلاً مطابقاً للوديعة البنكية. فالمستثمر الذي يشتري سنداً ثم يضطر إلى بيعه قبل موعد الاستحقاق قد يتكبد خسارة إذا انخفض سعره في السوق. وفي المقابل، يمكنه تحقيق مكاسب رأسمالية إذا تراجعت أسعار الفائدة وارتفعت أسعار السندات.
أما الوديعة، فتتميز عادةً باستقرار أكبر في قيمة رأس المال والعائد المتفق عليه عند الاحتفاظ بها حتى نهاية الأجل، وإن كانت هناك شروط أو غرامات مرتبطة بالسحب المبكر بحسب البنك والمنتج.
كما أن ارتفاع العائد على السند يعكس في كثير من الأحيان ارتفاع مستوى المخاطر الذي يسعره المستثمرون، وبالتالي فإن المقارنة الصحيحة لا تقوم على سؤال «من يدفع فائدة أكبر؟» فقط، بل أيضاً على مقدار المخاطر التي يتحملها المستثمر للحصول على هذا العائد.