
يواصل المستثمرون التمسك بصفقات تجارة الفائدة (تجارة الفارق السعري) في الأسواق الناشئة، حتى بعد تكبّد خسارة ربع سنوية نادرة، مراهنين على قدرة هذه الاستراتيجية على الصمود في وجه عوائد سندات الخزانة الأميركية التي بلغت أعلى مستوياتها منذ عقود.
وتُعد شركات «ناينتي وان» و«جينيرالي لإدارة الأصول» و«ويليام بلير» من بين مديري الأصول الذين يعتبرون خسارة الربع الماضي -الأولى منذ عامين- مجرد تعثر مؤقت لصفقات الفارق السعري المقومة بالدولار.
ويعود ذلك إلى أن هذه الاستراتيجية -التي تعتمد على اقتراض الدولار لشراء أصول ذات عائد أعلى في العالم النامي- ترتكز في المقام الأول على استقرار العملة الأميركية، في حين لا يقتنع المستثمرون بأن الارتفاع الأخير في قيمة الدولار سيستمر طويلاً.
وبعد ستة أرباع متتالية من المكاسب، تكبدت هذه التجارة خسائر الشهر الماضي مقابل 16 من أصل أكثر 20 عملة تداولاً وشعبية. وكان ذلك كافياً لدفع أداء الفترة الممتدة من يوليو إلى سبتمبر بأكملها نحو المنطقة السلبية (الخسارة)، وفقاً لمؤشر أعدته وكالة بلومبرغ.
ومع ذلك، يرى العديد من المستثمرين أن تجاوز عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات حاجز 5% لن يؤدي بالضرورة إلى انهيار هذه التجارة، إذ يعزون الضرر الذي لحق بها إلى سرعة عمليات البيع في سوق السندات الشهر الماضي وليس إلى مستوى العائد بحد ذاته. والأهم من ذلك ربما، هو أن قلة قليلة تتوقع استمرار صعود الدولار، الذي يُعد تاريخياً القناة الرئيسية لانتقال الضغوط المالية إلى الأسواق الناشئة.
وقالت مديرة المحافظ الاستثمارية في شركة «ويليام بلير»، إيفيت باب إن «ارتفاع العوائد الأميركية لا يعني بالضرورة القضاء على تجارة الفارق السعري في الأسواق الناشئة. فالانتكاسة الأخيرة في هذه التجارة تبدو أقرب إلى كونها عملية إعادة ضبط للمراكز الاستثمارية منها إلى بداية لعملية تسييل شاملة للمراكز».
ومع ذلك، تواجه تجارة الفارق السعري مخاطر حقيقية، إذ من المرجح أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) أسعار الفائدة، في حين توفر سندات الخزانة حالياً أعلى عوائد لها منذ عام 2007. كما أن العائد الإضافي الذي يحصل عليه المستثمرون لتعويض مخاطر الأسواق الناشئة قد تلاشى تقريباً. وفي الوقت نفسه، وصل الدولار إلى أعلى مستوياته في ثلاثة أشهر، مدفوعاً بمخاوف من حدوث أزمة في فرنسا.
وقال رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في شركة «مونيكس أوروبا»، نيك ريس «لقد تغيرت معادلة المخاطرة والعائد، إذ تبدو سندات الخزانة جذابة بشكل متزايد، سواء من حيث العائد أم كأداة حماية في حال أدى الارتفاع السريع الأخير في العوائد إلى حدوث خلل ما في الأسواق».
ومع ذلك، يظل صعود الدولار متواضعاً نسبياً عند مقارنته بنوبات الاضطراب السابقة في سوق سندات الخزانة. ففي الأسابيع الخمسة المنتهية في 28 سبتمبر، قفز متوسط عوائد سندات الخزانة بمقدار 66 نقطة أساس، في حين ارتفع مؤشر الدولار الذي تعده بلومبرغ بنسبة 2% فقط، وظل دون المستويات المرتفعة التي سجلها هذا العام.
وقال الخبير الاستراتيجي في شركة «جنرالي لإدارة الأصول»، غيوم تريسكا «الأمر الأكثر أهمية هو الدولار الأميركي، فهو يعمل كمضخّم للصدمات. فإذا ظلت أسعار الفائدة مرتفعة ولكن وضع الدولار ظل مستقراً، فإن استراتيجيات «تجارة الفارق» يمكن أن تواصل أداءها الجيد».
لقد نجحت استراتيجيات «تجارة الفارق» في تجاوز موجة بيع سندات الخزانة في وقت سابق من هذا العام، ففي ذلك الحين ارتفعت العوائد دون أن يرتفع الدولار، لأن المحرك الرئيسي لتلك الحركة كان المخاوف بشأن الإنفاق الحكومي الأميركي وليس السياسة النقدية. أما موجة الهبوط الحاد في سوق السندات خلال شهر سبتمبر، فقد كانت أكثر إيلاماً لاستراتيجيات «تجارة الفارق»، إذ أنها كانت مدفوعة بتوقعات رفع أسعار الفائدة، ما أدى في النهاية إلى تعزيز قيمة الدولار.
ويرى مدير المحافظ في شركة «ناينتي وان»، ثيس لو، أن أسواق السندات تعيد تسعير الأصول لتأخذ في الاعتبار ارتفاع تكاليف الطاقة، والنمو العالمي المرن المدعوم بالإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا العملاقة -التي تدير مراكز بيانات ضخمة-، وزيادة الاقتراض من جانب الدول الغنية. ومع ذلك، فهو يشكك في استمرار ارتفاع العوائد بالوتيرة نفسها التي شهدها الشهر الماضي.
ويضيف لو «من المرجح أننا نقترب من نهاية عملية إعادة التسعير هذه لا بدايتها، وبالتالي، فإن التوقعات تشير إلى أننا نقترب من ذروة التقلبات».
كما يتوقع أن تدعم مخاوف المستثمرين بشأن المصداقية المالية للولايات المتحدة، ورغبتهم في تنويع استثماراتهم بعيداً عن الأصول المقومة بالدولار، استراتيجيات «تجارة الفارق».
وفي هذا السياق، أصبحت إيفيت باب، من شركة «ويليام بلير» أكثر انتقائية في قراراتها، فمع تسبب تقلبات السوق في جعل استراتيجيات «تجارة الفارق» القائمة على شراء كل شيء أقل موثوقية، باتت تركز على الدول التي تتمتع بسياسات موثوقة وعوائد مرتفعة ومواقف قوية في ميزان المدفوعات.
وتختتم قائلة «من المرجح أن تكون المرحلة المقبلة من «تجارة الفارق» أكثر محدودية وأكثر ارتباطاً بخصائص كل دولة على حدة، مقارنة بموجات الصعود واسعة النطاق التي شهدتها بعض الدورات السابقة».