
في عالم تتغير فيه موازين الاستثمار بسرعة الضوء، استطاعت هونغ كونغ أن تقلب الصورة خلال فترة وجيزة: من سوق باهتة إلى منصة إدراجات مزدحمة تضم أكثر من 300 شركة جديدة.
هذه الطفرة لم تأتِ صدفة، بل تعبّر عن تحوّل أعمق في خريطة المال العالمية، حيث يعيد المستثمرون توزيع ثقلهم بين الغرب المتباطئ والشرق المتسارع.
خلال جلسة «القوى العالمية التي تعيد تشكيل الأسواق المالية» ضمن مؤتمر Fortune Global Forum، كشفت الرئيسة التنفيذية لبورصة هونغ كونغ بوني تشان ملامح هذا التحوّل بابتسامة تمزج المزاح بالثقة: «ربما لأنهم عيّنوا رئيسة تنفيذية جديدة!».
ثم أضافت بجدية: «الحقيقة أن المستثمرين اليوم يريدون تنويع محافظهم الاستثمارية أكثر من أي وقت مضى. الصين تواصل إنتاج شركات مذهلة، وهذا ما يجعل إدراجها في هونغ كونغ فرصة لا يمكن تفويتها».
خلال السنوات الماضية، واجهت هونغ كونغ موجة من التراجع بفعل الضغوط الجيوسياسية والتباطؤ الاقتصادي، ما دفع بعض رؤوس الأموال نحو سنغافورة.
لكن مع انتعاش الاقتصاد الصيني، وتدفّق الشركات في قطاعات التكنولوجيا الحيوية والطاقة الرقمية والتجارة الذكية، استعادت المدينة مكانتها بسرعة مذهلة. حيث أظهرت الإدراجات الـ300 الأخيرة قدرة عنغ كونغ على المضي إحداث تحوّل نوعي في سلوك المستثمرين العالميين.
ولم يعد هؤلاء المستثمرين يبحثون فقط عن الأرباح، بل عن أسواق تجمع بين الشفافية الغربية وسرعة النمو الآسيوي. وهنا تلعب هونغ كونغ دور الوسيط الذكي مدينة بقوانين بريطانية الجذور، وسيولة صينية المنشأ، وعلاقات مالية تمتد من نيويورك إلى دبي.
سرّ هذا النجاح كما توضحه تشان هو منظومة Stock Connect، التي أطلقتها هونغ كونغ قبل أحد عشر عاماً لربط أسواقها بالبرّ الرئيسي الصيني في شنغهاي وشينزن.
هذه المنظومة تسمح بتدفق استثمارات ثنائي الاتجاه؛ إذ يستطيع المستثمر الصيني شراء أسهم الشركات المدرجة في هونغ كونغ، في حين يمكن للمستثمر الدولي دخول السوق الصينية من بوابة هونغ كونغ نفسها.
«هي البنية التحتية التي جعلت بورصتنا البوابة الأكثر فاعلية بين رأس المال العالمي والشركات الصينية»، تقول تشان، مضيفة: «المستثمر في شنغهاي يمكنه شراء أسهم دولية، والمستثمر الأجنبي يصل إلى الصين عبرنا. هذه ببساطة ورقتنا الرابحة».
بفضل هذا الربط، تحولت هونغ كونغ إلى مفصل رئيسي في الاقتصاد العالمي تتحرك من خلاله تريليونات الدولارات سنوياً، لتصبح ساحة التقاء بين سيولة الشرق واحتراف الغرب.
العدد ليس مجرد إحصاء، بل رمز لعودة الثقة، في كل شركة تُدرج على منصة هونغ كونغ، هناك قصة عن توسّع، عن انفتاح، وعن توازن جديد في النظام المالي العالمي.
300 شركة تعني أن المستثمرين يعودون، وأن رأس المال يعيد التموضع شرقاً، وأن هونغ كونغ لم تعد تحاول اللحاق بوول ستريت، بل تبني مدرسة آسيوية خاصة في إدارة الأسواق.