
تصاعدت موجة البيع الحادة في أسواق السندات الحكومية العالمية، الخميس، لتدفع تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود، وسط مخاوف من تداعيات ارتفاع العوائد على أسواق الأسهم والشركات والمالية العامة للدول المثقلة بالديون.
وارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، الذي يمثل أحد أهم المؤشرات المرجعية لتكاليف التمويل عالمياً، إلى 5.34%، مسجلاً أعلى مستوى منذ عام 2002.
وجاءت القفزة بعد ربع ثالث شهد ارتفاعاً حاداً في عوائد السندات الحكومية الأميركية طويلة الأجل، هو الأكبر على أساس فصلي منذ بداية القرن الحالي.
وامتدت موجة ارتفاع العوائد إلى أسواق السندات العالمية، مع تجدد مخاوف التضخم بفعل صعود أسعار الطاقة، بالتزامن مع طفرة غير مسبوقة في الإنفاق الرأسمالي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ما دفع المستثمرين إلى رفع توقعاتهم لمستويات أسعار الفائدة على المدى الطويل.
وتؤدي صدمة العوائد إلى زيادة تكاليف التمويل على الشركات والمقترضين العقاريين، كما ترفع أعباء خدمة الدين الحكومي في الاقتصادات التي تعاني بالفعل مستويات مرتفعة من المديونية.
وقال مدير الاستثمار في «إيه جيه بيل» روس مولد إن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط واستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة من العوامل التي تدفع عوائد السندات الحكومية إلى الصعود.
وكانت فرنسا من أكثر الأسواق تضرراً من موجة بيع السندات، إذ قفز العائد على السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات بنحو 10 نقاط أساس إلى 4.96%، مقترباً من مستوى 5%، بعدما سجلت الديون الفرنسية خلال الربع الماضي أسوأ أداء فصلي منذ عام 1987.
وبحسب «رويترز»، ارتفعت تكلفة التأمين على الديون السيادية الفرنسية ضد مخاطر التخلف عن السداد، عبر عقود مبادلة مخاطر الائتمان، إلى أعلى مستوى منذ عام 2013.
وتأتي اضطرابات سوق السندات الفرنسية بينما يستعد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو للكشف عن مشروع موازنة عام 2027، الذي يستهدف خفض الإنفاق بنحو 54 مليار يورو.
ومن المتوقع أن يصل عجز الموازنة الفرنسية إلى 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري، فيما يقترب الدين العام من 120% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتتركز مخاوف المستثمرين على قدرة الحكومة الفرنسية على تنفيذ تخفيضات الإنفاق المستهدفة في ظل الضغوط السياسية، ما أبقى فارق العائد بين السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات ونظيرتها الألمانية قرب أعلى مستوياته في عدة سنوات. وفي بريطانيا، ارتفع العائد على السندات الحكومية لأجل 30 عاماً إلى 6%، وهو أعلى مستوى منذ فبراير 1998، في ظل تزايد الضغوط على المالية العامة.
وجاء ذلك بعدما طرحت بريطانيا، الثلاثاء، سندات قياسية جديدة لأجل 10 سنوات بعائد هو الأعلى لأي إصدار بهذه الآجال منذ عام 1999.
وتواجه الحكومة البريطانية صعوبة في احتواء التكاليف المتزايدة لمعاشات التقاعد والبرامج الاجتماعية، بالتزامن مع ضغوط سياسية لزيادة الإنفاق الدفاعي.
وتعكس التحركات العنيفة في أسواق السندات تحولاً سريعاً في توقعات السياسة النقدية العالمية، إذ تراجعت رهانات المستثمرين السابقة على اتجاه البنوك المركزية نحو تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة.
وبعد تشديد السياسة النقدية الأميركية الشهر الماضي، باتت الأسواق تتوقع 3 زيادات إضافية على الأقل في أسعار الفائدة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي حتى منتصف 2027، وفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، رغم بيانات التضخم الأميركية الأكثر اعتدالاً في أغسطس.
وفي منطقة اليورو، حيث رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين خلال العام الجاري، تسعر أسواق المال 3 زيادات إضافية بمقدار 25 نقطة أساس لكل منها حتى منتصف 2027، مع استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بالطاقة.
وتشير هذه التطورات إلى ترسخ سيناريو بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يزيد الضغوط على أسواق السندات ويهدد برفع تكاليف الاقتراض على الحكومات والشركات والأسر في الاقتصادات الكبرى.