المتداولون يترقبون تأكيد وقف إطلاق النار
توقعات بتعافي الذهب على المدى الطويل

لم تكن الهدنة سوى إعلان على الورق، لكن على شاشات التداول كانت القصة مختلفة تماماً، فلم ينتظر الذهب تأكيداً سياسياً، بل قرأ المشهد بطريقته: صراع لم يُغلق، ومضيق أستراتيجي ما زال تحت التهديد، وأسواق تتحرك بين خوف لم يختفِ وشهية مخاطرة لا تثق بما يحدث.
فوق هذا المشهد الهش، ارتفع المعدن الأصفر وكأنه يختبر صدقية ما يقال في واشنطن وطهران، أكثر مما يختبر بيانات الفائدة أو حركة الدولار.
ارتفعت أسعار الذهب اليوم قرب مستويات 4800 دولار للأونصة، بعد أن أدى انخفاض أسعار النفط في أعقاب تمديد الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار مع إيران إلى تهدئة المخاوف من تفاقم التضخم واستمرار ارتفاع أسعار الفائدة.
يرى محللون أن هذا التحرك لا يُقرأ كتعافٍ تقني فقط، بل كإعادة تسعير سريعة لعلاوة المخاطر الجيوسياسية، فالسوق لم يقتنع بأن الهدنة تمثل نهاية للتوتر، بل مجرد تجميد مؤقت لصراع ما زال مفتوح الاحتمالات؛ ما يفسر تزامن ارتفاع الذهب مع استمرار التذبذب في بقية الأصول.
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصته «تروث سوشال»: «سنمدد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى للسماح بمزيد من محادثات السلام»، وذلك قبل ساعات من انتهاء الهدنة.
وبدا إعلان ترامب أحادياً، ولم يتضح على الفور ما إذا كانت إيران أو إسرائيل ستوافقان على تمديد وقف إطلاق النار الذي بدأ قبل أسبوعين.
أما المحلل في «ماريكس» إدوارد مير، فقال: «مع تمديد وقف إطلاق النار، ترى الأسواق تهدئة مؤقتة في الأزمة؛ ما أوقف خسائر الذهب بعد تراجعها يومين على التوالي».
تابع مير في مذكرة للعملاء: «إذا انتهى وقف إطلاق النار واستؤنفت الأعمال القتالية، فسنشهد ارتفاعاً في الدولار وفي أسعار النفط والفائدة، ومن شأن ذلك أن يضغط على أسعار الذهب».
ما يميز هذه المرحلة أن الأسواق لا تتفاعل مع الإعلان السياسي نفسه، بل مع مصداقيته، فكل تمديد للهدنة يُترجم فوراً إلى تراجع في النفط وتذبذب في الدولار، بينما يبقى الذهب في حالة تحوط مزدوج: بين الخوف من عودة التصعيد، والأمل في تهدئة لا تزال غير مضمونة.
من المرجح أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط الخام إلى تأجيج التضخم من خلال رفع تكاليف النقل والإنتاج؛ ما يمنح الدولار قوة استثنائية.
في حين يُعتبر الذهب وسيلة للتحوط من التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل الأصول المدرة للعائد أكثر جاذبية؛ ما يقلص الإقبال على المعدن الأصفر.
قال بنك «ستاندرد تشارترد» في مذكرة: «تظل حركة الأسعار مرهونة بأنباء وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط واحتياجات السيولة العالمية».
وأضاف: «بينما نلاحظ أن الارتفاع في الآونة الأخيرة في الأسعار كان هشاً ويواجه خطر التصحيح على المدى القصير، بحسب تحركات الأسعار التي باتت تسعّر الدولار».
المحللون تابعوا: «لا نزال نتوقع تعافي أسعار المعادن الثمينة، وأن يختبر الذهب مجدداً على وجه الخصوص مستوياته القياسية».
في الـ29 من يناير الماضي، ارتفعت أسعار الذهب إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق عند 5626.8 دولار في العقود الآجلة، و5595.46 دولار في الأسعار الفورية.
منذ بداية العام وحتى الـ27 من فبراير، سجل المعدن النفيس 15 رقماً قياسياً، وارتفع بنحو 1200 دولار في ذروته، وفي العام الماضي قفز 65% مسجلاً 72 رقماً قياسياً.
قال كيفن وارش، المرشح لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، أمس الثلاثاء، إنه لم يقطع أي وعود لترامب بشأن خفض أسعار الفائدة، محاولاً طمأنة أعضاء مجلس الشيوخ الذين يبحثون تأكيد تعيينه رئيساً للبنك المركزي بأنه سيتخذ القرارات بشكل مستقل عن البيت الأبيض.
رغم محاولة وارش، ارتفع الدولار؛ ما زاد من كلفة السلع المقومة بالعملة الأميركية بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية القياسية لأجل 10 سنوات بأكثر من 1%.
كما قال كبير محللي السوق في شركة «آر جيه أو فيوتشرز»، بوب هابركورن: «يضغط ارتفاع العوائد وقوة الدولار على الذهب، إلى جانب العديد من الأخبار والتصريحات المتضاربة بشأن الوضع في إيران؛ ما يدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، وبالتالي يضغط على أسعار المعادن».
هنا تتقاطع السياسة النقدية مع التوترات الجيوسياسية، فارتفاع الذهب لم يعد مرتبطاً فقط بحركة التضخم أو الفائدة، بل أيضاً بتوقعات أن «الفيدرالي» نفسه قد يدخل مرحلة إعادة تشكيل تحت ضغط سياسي مباشر؛ ما يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين للأسعار.
لا يتحرك الذهب اليوم كملاذ آمن تقليدي، بل كأصل يختبر صدقية العالم السياسي لحظة بلحظة، بين هدنة تُعلن ولا تُحسم، ودولار يتذبذب بين القوة والقلق، و«فيدرالي» يُعاد تشكيله تحت ضغط السياسة.
وبين هذه المعادلة غير المستقرة، يبقى الذهب واقفاً عند خط رفيع: إما بداية موجة صعود جديدة إذا ثبتت هشاشة الهدنة، أو تصحيح سريع إذا تحولت الكلمات إلى اتفاق حقيقي.