الذهب يتجه لقطع سلسلة من 4 ارتفاعات أسبوعية
النفط يحول دون تجاوز الذهب مستويات 5 آلاف دولار

لم تكن جملة «هدنة لأجل غير مسمى» بين واشنطن وطهران خبراً كافياً لتهدئة الأسواق، بل تحولت إلى عامل ضغط إضافي أعاد خلط أوراق المعدن النفيس، فالذهب الذي أحرجته حرب إيران، ودفعته إلى اختبار مكانته التاريخية كملاذ آمن، وجد نفسه في مسار هابط، بينما النفط يواصل القفز فوق مستويات 100 دولار، ليكتب الجمل الأولى في مسار التضخم المقبل.
وفي الخلفية، يتحرك الدولار والفائدة كقوتين صامتتين، تعيدان تشكيل شهية المخاطرة عالمياً، وتضعان المعدن الأصفر أمام اختبار لم يمر به منذ عقود.
يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تفاقم المخاوف من التضخم، مع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يقود إلى ارتفاع الدولار، الذي يضغط على الأصول المسعّرة بالعملة الأميركية، على غرار الذهب، ما يمحو الفكرة التقليدية بأن الذهب يظل ملاذاً في الأزمات والتوترات.
قال كبير محللي السوق لدى «أواندا» كلفن وونغ: «ما دام خطر الإغلاق المطوّل لمضيق هرمز قائماً، فسيستمر تداول النفط عند مستويات مرتفعة، مما يضغط على أسعار الذهب».
وأضاف وونغ في مذكرة للعملاء: «يمكن أن تؤدي أسعار النفط المرتفعة إلى تأجيج التضخم من خلال رفع تكاليف النقل والإنتاج، مما يزيد من احتمالية رفع أسعار الفائدة».
وتابع قائلاً: «كل شيء، الآن، يعتمد على ما يجري في الشرق الأوسط. إذا تحركت الناقلات مرة أخرى وعبرت المضيق، سنشهد أسعار الذهب تعود لاختبار مستويات 5000 دولار».
قال جيوفاني ستانوفو، المحلل لدى «يو بي إس»: «عودة أسعار خام برنت إلى خانة الأرقام الثلاثية تُبقي مخاوف التضخم في المقدمة، وتضع الذهب في موقف دفاعي اليوم».
وأضاف ستانوفو في مذكرة للعملاء: «يشعر المستثمرون بالقلق من أن الوضع الراهن المتمثل في وقف إطلاق النار بالإضافة إلى الحصار قد يستمر لأشهر، ما يحوّل الارتفاع قصير الأجل إلى مرساة تضخمية طويلة الأجل، الأمر الذي سيضر بالذهب من منظور العائد».
وقفز خام برنت أكثر من 18% منذ بداية الأسبوع، إلى مستويات 107.2 دولار للعقود تسليم مايو، كما ارتفع الدولار الأميركي حوالي 1% هذا الأسبوع.
ويشير محللون إلى أن ارتفاع النفط بهذا الشكل لا يُترجم فقط كصعود سلعة طاقة، بل كـ«ضريبة تضخم عالمية»، تعيد تسعير كل الأصول، وعلى رأسها الذهب.
تأثرت أسعار الذهب، اليوم وأمس، مع استعراض إيران، أمس الخميس، سيطرتها على المضيق، بنشر مقطع فيديو يظهر فيه جنود من القوات الخاصة على متن زورق سريع وهم يداهمون ويعتلون سفينة شحن ضخمة.
جاء ذلك في وقت واصلت فيه البحرية الأميركية حصارها للمضيق، وفي وقت قال فيه ترامب للصحفيين إنه يعتقد أن طهران تريد إبرام اتفاق، وأضاف أنه ليس في عجلة من أمره لإبرام اتفاق، لكن إذا لم ترغب إيران في ذلك «فسأنهي الأمر عسكرياً».
قال كبير محللي السوق لدى «كيه.سي.إم تريد» تيم ووترر: «السجال الدائر، حالياً، بين الولايات المتحدة وإيران أشبه بنسخة قاتمة من أفلام السفن الحربية».
تاريخياً، كل موجة صعود في النفط مدفوعة بمخاطر جيوسياسية تقود إلى إعادة تمركز في الدولار، ما يزيد الضغط على الأصول المقوّمة به، ويضع الذهب في وضع دفاعي تلقائي.
يرى ووترر أن المخاوف قد تتجدد من أن وقف إطلاق النار ربما ينهار في أي لحظة، مما قد يؤدي إلى صعود قوي في أسعار النفط الخام يضغط على أصول أخرى ويدفعها إلى الانخفاض، بما في ذلك الذهب.
وقال ووترر في مذكرة للعملاء:«اقتراب الذهب من 4900 دولار يوم الجمعة الماضي يبدو الآن ذكرى بعيدة، بعدما تلاشى الزخم الذي كانت تشهده موجة صعود المعادن».
في حين قال وونغ من «أواندا»: «لا يزال الذهب محصوراً في هذا النطاق الجانبي، بين المتوسط المتحرك لمدة 50 يوماً عند نحو 4900 دولار، وفي القاع المتوسط المتحرك لمدة 20 يوماً عند مستوى 4645 دولاراً».
من المرجح أن ينتظر مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) ما لا يقل عن 6 أشهر قبل خفض أسعار الفائدة هذا العام، وفقاً لتوقعات المشاركين في سوق العقود الآجلة.
ويرى المتداولون، الآن، احتمالاً بنسبة 21% لخفض الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر، بعد أن كانت التوقعات قبل الحرب تشير إلى خفضين هذا العام.
المشكلة بالنسبة للذهب ليست في غياب الطلب، بل في ارتفاع «تكلفة الفرصة البديلة»، فكل ارتفاع في الفائدة يقلل من جاذبية الأصول غير المدرة للعائد، حتى لو كانت ملاذاً تقليدياً.
وبين هدنة لا تطمئن، ونفط لا يهدأ، ودولار يستعيد زخمه، يبدو الذهب محاصراً في مثلث ضغط مركب: توترات جيوسياسية، وأسعار الطاقة، وتوقعات الفائدة. ويبدو أن الأسعار ترى أنه لا سلام في التسعير، بل إعادة تقييم للمخاطر.