الحرب قد تقود البنوك المركزية لرفع الفائدة
أسهم اليابان تتجه إلى ارتفاع أسبوعي ثالث

لم تعد الأسواق تتحرك وفق القواعد التقليدية، ففي وقت يشتعل فيه النفط، وتتزايد فيه مخاطر التضخم، وتبقى الحرب معلقة بين هدنة وانفجار جديد، اختارت الأسهم العالمية طرقاً معاكسة ومتباينة تماماً.
من طوكيو إلى «وول ستريت»، بدت الشاشات وكأنها تحتفل بنهاية أزمة لم تنتهِ بعد، ما يطرح سؤالاً أعمق من مجرد حركة يومية للأسعار: هل تراهن الأسواق على السلام فعلاً، أم أنها تتجاهل الخطر حتى إشعار آخر؟
وسلطت حرب إيران، التي تقترب من نهاية شهرها الثاني، الضوء على مصطلحات الأصول عالية المخاطر وعزوف المتداولين عن المخاطرة، لكن الأسهم التي تُصنف بدورها كواحدة من تلك الأصول كان لها رأي آخر.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هذا الأسبوع تمديد الهدنة مع إيران إلى أجلٍ غير مسمى، في حين تم تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة ثلاثة أسابيع.
رغم أن التقلبات كانت حاضرة، والخسائر تم رصدها على شاشات التداول، إلا أن الأرقام القياسية سُجّلت أيضاً في فترات الاستراحة ما بين الحرب والهدنة، وعلى وقع تدفق الأنباء الإيجابية.
خلال هذا الأسبوع، نجح مؤشر الأسهم اليابانية الرئيسي في اختراق مستوى 60 ألف نقطة للمرة الأولى في تاريخه، في حين نجح مؤشرا «إس أند بي 500» و«ناسداك» في «وول ستريت» بالوصول إلى مستويات قياسية جديدة.
والمفارقة أن تلك الارتفاعات جاءت في الوقت الذي استمرت فيه أسعار النفط في التداول فوق مستوى 100 دولار للبرميل، ورغم تمديد الهدنة، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز ظل العقبة الأكبر في طريق استقرار الأسواق.
ويرى محللون أن المستثمرين يفصلون حالياً بين خطر الحرب المباشر وبين أثرها الاقتصادي الفعلي، إذ يراهنون على احتواء التصعيد عسكرياً، لكنهم لم يحصلوا بعد على ضمانات حقيقية بشأن الطاقة والتضخم.
قال كبير محللي السوق في «آي.جي غروب» كريس بوشامب: «أعتقد أن الأسواق العالمية ستشهد على الأرجح ارتفاعاً أكبر في التضخم، ما سيدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، وهو ما يضغط على الأسهم».
وقال الرئيس التنفيذي ومدير الاستثمار لدى «إنفراستراكتشر كابيتال أدفايزورز» في نيويورك جاي هاتفيلد: «نحن نلعب لعبة الكراسي الموسيقية بين موسم الأرباح وعناوين الحرب، وهي لعبة من غير المرجح أن تكون مريحة».
وأضاف في مذكرة للعملاء: «نشهد نشاطاً كبيراً، وهناك من يسعون إلى تقليل تعرضهم للمخاطر، واستخدام الحرب ذريعة ليس أمراً سيئاً».
قال محلل الأسهم في «نومورا للأوراق المالية» واتارو أكياما، «تتجه سوق الأسهم اليابانية اليوم نحو الارتفاع، مدفوعة بشعور من الارتياح بشأن الوضع في الشرق الأوسط، إلى جانب التوقعات المستمرة بنمو الأرباح من قطاع الذكاء الاصطناعي المتوسع».
وأضاف أن السوق تلقى دعماً من أسهم شركات التكنولوجيا ذات الثقل مثل مجموعة «سوفت بنك»، رغم أن الضبابية المحيطة بمحادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران أثرت سلباً على معنويات المستثمرين.
وقال كبير المحللين في «دايوا لإدارة الأصول» كينسوكي توغاشي: «في حين أن بعض الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وأشباه الموصلات تقود المكاسب، فإن عدد الأسهم التي تسجل صعوداً بوجه عام ليس كبيراً، ويبدو أن هذا النمط مستمر اليوم أيضاً».
لا تزال الأسهم الأوروبية دون مستويات ما قبل الحرب، إذ يشير المحللون إلى ضعفها أمام ارتفاع أسعار الطاقة، متخلفة عن نظيراتها الأميركية، في الوقت الذي تتداول فيه مؤشرات وول ستريت بالقرب من مستويات قياسية.
وقالت رئيسة قسم تحليل الأسواق في «آر.بي.سي بروين دولفين» جانيت موي: «يوجد في أوروبا العديد من القطاعات الصناعية التي تتأثر بالدورات الاقتصادية. أنا لا أتحدث عن القطاعات الدفاعية، التي ستكون أكثر حماية، ولكن عن القطاعات الأكثر تعرضاً للاقتصاد العالمي».
وأضافت موي في مذكرة للعملاء: «سيراقب المتداولون عن كثب التباين بين القطاعات الأوروبية بسبب تأثير الحرب، وتجدد ضغوط التضخم، وكذلك ضعف مؤشرات النمو».
قال كبير مديري المحافظ في «غلوبال إنفستمنتس» في أتلانتا توماس مارتن: «هناك أمران يحدثان: متابعة الحل المحتمل أو المسار بالنسبة لإيران، وبمعزل عن ذلك تبدو توقعات الأرباح المقبلة قوية جداً، والشركات تعلن نتائجها إلى حد كبير على هذا النحو، كما أن الاقتصاد يؤدي بشكل جيد».
وأضاف في مذكرة للعملاء: «الورقة الرابحة هي بالفعل ما سيحدث مع إيران، ولا أحد يعرف. ومن المحير بالنسبة لي أن أعتقد أن الناس يظنون أن الأمور ستكون على ما يرام، وهو ما يؤثر حقاً على تحركات الأسهم في مختلف أسواق العالم».
وأشار مارتن إلى أن التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي والأرباح الإيجابية أدى إلى إثارة حماس المستثمرين نسبياً، إذ تشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى توقعات بتحقيق نمو 14% في الربع الأول.
وبين النفط المرتفع والأسهم المتفائلة، يبدو أن الأسواق تراهن على أفضل السيناريوهات في توقيت لا يحتمل الخطأ. فإذا صمدت الهدنة، قد تواصل المؤشرات صعودها نحو قمم جديدة، أما إذا عادت الحرب إلى الواجهة، فقد تكتشف الأسواق متأخرة أنها كانت تسعّر السلام أكثر مما تسعّر الواقع.