الرهان على عائد أعلى يعيد توجيه المتداولين
استمرار التوترات يبقي فرص الدولار قوية

لم يعد الدولار يتحرك بدافع الفائدة وحدها، بل أصبح يتسلق على أكتاف موجة جديدة من التوترات، حيث يلتقي برميل النفط المشتعل مع نبرة أكثر تشدداً من «الفيدرالي» الأميركي، ليصعد إلى أعلى مستوياته في نحو أسبوعين.
في سوق تتشابك فيه التوترات الجيوسياسية والسياسة النقدية، تتحول أخبار الهدنة وبرميل النفط وحصار المضيق إلى محركات مباشرة لإعادة تسعير العملة الأميركية التي تدر عائداً، وتقييماً أوسع للملاذات الآمنة.
الصعود الأخير لا يعكس قوة مفاجئة بقدر ما يعكس إعادة تسعير سريعة لتوقعات الفائدة، في ظل تحوّل الأسواق من الرهان على التيسير إلى انتظار فترة أطول من التشديد النقدي.
عزز من صعود الدولار ارتفاع النفط بعد أن احتجزت طهران سفينتين في مضيق هرمز، ليتفاقم التوتر بعد أن مدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى دون مؤشر على استئناف محادثات السلام.
ولا يزال الجانبان على خلاف بشأن وقف إطلاق النار والحصار والقضية النووية والسيطرة على المضيق، ما يجعل الممر المائي الاستراتيجي في حكم المغلق، ليتسبب في صدمة بقطاع الطاقة وضربة قوية للاقتصادات العالمية.
ارتفاع النفط لا يدعم الدولار بشكل مباشر فقط، بل يعيد تشكيل توقعات التضخم، وهو العامل الذي يمنح «الفيدرالي» مساحة أطول للإبقاء على الفائدة المرتفعة، ما ينعكس بدوره على قوة العملة الأميركية.
قال رئيس أبحاث الأسواق في «بنك أستراليا الوطني» سكاي ماسترز: «على الرغم من تمديد ترامب وقف إطلاق النار، لا تزال الاضطرابات متصاعدة مع رفض إيران إعادة فتح مضيق هرمز واستمرار الحصار البحري الأميركي، ما ينذر بانقطاع الإمدادات لفترة طويلة».
أضاف ماسترز في مذكرة: «العواقب المحتملة لا يجري تقييمها بشكل كاف، وضغوط التضخم ستستمر حتى نهاية العام، ما يمنح الدولار عائداً أعلى».
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم يوليو أكثر من 4 دولارات فوق مستويات 106 دولارات، أو ما يعادل 4%، ومنذ بداية الأسبوع ارتفع سعر البرميل أكثر من 16 دولاراً أو 18%.
ولم يتضح حتى الآن ما إذا كانت إيران أو إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة في الحرب المستمرة منذ شهرين، ستوافقان على التمديد، إذ قال ترامب إنه سيواصل الحصار البحري للموانئ الإيرانية، وهو ما تعتبره طهران عملاً عدائياً.
قال المسؤول عن استراتيجية العملات العشر الرئيسية في «بنك نومورا» دومينيك بانينغ: «ما يكبح ارتفاع الدولار فوق مستويات 100 نقطة هو أن السوق يراهن على خيار السلام أكثر من التصعيد».
أضاف بانينغ في مذكرة للعملاء: «من الصعب تكوين قناعة راسخة في هذه المرحلة، لكن يبدو أن الجانبين بشكل عام يميلان إلى إحراز تقدم وليس إعادة التصعيد».
وتابع: «ما أُعلن عن تمديد وقف إطلاق النار هو تصريح عام وغير دقيق ويفتقر إلى اليقين، ونتعامل معه بحذر شديد، لكن نعتقد أننا لاحظنا أن الرغبة في الاشتباك مجدداً منخفضة نسبياً، ومن الواضح أن السوق يقيم هذه الأخبار الإيجابية بعض الشيء، وهو ما يقوض ارتفاع الدولار».
هذا التوازن بين رهان السلام وخطر التصعيد يجعل حركة الدولار محدودة سقفياً، لكنه يبقى مدعوماً طالما بقيت علاوة المخاطر الجيوسياسية قائمة.
فسرت الأسواق تصريحات المرشح كيفن وارش خلال جلسة في مجلس الشيوخ على أنها تميل قليلاً للتشديد النقدي، بعد أن أكد أنه لم يقطع أي وعود لترامب بشأن خفض أسعار الفائدة.
قال محلل العملات الأجنبية لدى «جيه بي مورغان تشيس» جونيا تاناسي: «ربما كانت النقطتان الأكثر إثارة للاهتمام في تصريحات وارش هما تشديده على استقلالية المجلس الاحتياطي ورفضه بوضوح أي طلب من الرئيس ترامب بخفض أسعار الفائدة».
وفقاً لخدمة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، تشير العقود الآجلة لصناديق مجلس الاحتياطي «الفيدرالي» إلى احتمال ضمني نسبته 57.9% أن يُبقي البنك المركزي الأميركي على أسعار الفائدة دون تغيير حتى اجتماعه في 28 أبريل 2027.
تاناسي أضاف: «الدولار لا يصعد اليوم لأنه الأقوى، بل لأن النفط يشتعل، المضيق مضطرب، و«الفيدرالي» لا يلوّح بالتيسير، وفي سوق تحكمه الأخبار أكثر من المؤشرات، يبدو أن كل الخيارات باتت مفتوحة والتقلبات أصبحت واقعاً ملموساً».