سياسة اعتراض السفن متواصلة بالمضيق
السوق يتجه إلى خسارة 1.3 مليار برميل

صارت الحرب تُقاس بعدد الناقلات العالقة في مضيق هرمز، فبينما تتحدث واشنطن عن هدنة، تتحرك الأسواق كما لو أن الحرب بدأت للتو، مع قفزة جديدة في النفط وخوف متزايد من أكبر صدمة إمدادات منذ عقود.
ما يجري الآن ليس سلاماً ولا حرباً، بل معركة استنزاف بطيئة يدفع العالم ثمنها يومياً عند مضخة الوقود. فترامب يمدد وقف إطلاق النار، لكنه يُبقي الخنق البحري قائماً، وإيران ترد بتشديد القبضة على «هرمز»، بينما النفط يسعر الحقيقة الوحيدة: المضيق لم يُفتح بعد.
في جلسة يسودها التقلب، قفزت أسعار النفط اليوم الخميس إلى أعلى مستوى في أكثر من أسبوعين، وسط حالة من الضبابية والجمود تسيطر على المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مع استمرار إغلاق مضيق هرمز.
في إشارة إلى استحداث الرئيس الأميركي أسلوباً جديداً في المواجهة، تطرق ترامب إلى سياسة النفس الطويل التي بدأ يتبعها في إدارة حرب إيران التي اقتربت من شهرها الثاني.
وفيما يبدو أن ترامب يطبق سياسة النفس الطويل، فإن الهدف يتمثل في تجفيف منابع السيولة بالكامل، مع الحفاظ على الحصار البحري كورقة ضغط لا يمكن التنازل عنها حالياً، في حين تراهن إيران على موجة من التضخم العالمي مع استمرار إغلاق المضيق وتراجع إمدادات وإنتاج المنطقة الغنية بالنفط.
وصف ترامب الوضع بأن إيران تنهار مالياً، وأن المسؤولين هناك يطالبون بفتح مضيق هرمز فوراً؛ لأن السيولة نفدت تماماً لديهم.
كتب الرئيس الأميركي في منشور على منصته «تروث سوشال»: «إيران تخسر ما يقارب 500 مليون دولار يومياً بسبب الحصار والقيود الحالية».
الرئيس الأميركي أشار إلى أن الأزمة وصلت إلى رواتب القوة الصلبة، حيث بدأت شكاوى تظهر من عناصر الجيش والشرطة بسبب عدم استلام مستحقاتهم المالية.
كما قال ترامب أول من أمس الثلاثاء: إنه سيمدد وقف إطلاق النار مع إيران إلى أجل غير مسمى، قبل ساعات فقط من انتهائه.
كذلك أكد رئيس البرلمان الإيراني وكبير مفاوضي طهران محمد باقر قاليباف أمس أن الوقف الكامل لإطلاق النار لن يكون منطقياً إلا إذا لم يُنتهك من خلال الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.
ويشير التقلب الحاد خلال تعاملات اليوم إلى ارتفاع تسعير علاوة المخاطر اللحظية، وعدم تصديق الأسواق قرار الهدنة بالكامل، وسط حالة من القلق من اندلاع الصراع في أي لحظة.
احتجزت إيران سفينتين في مضيق هرمز أمس لتشدد قبضتها على الممر المائي الإستراتيجي، واعترض الجيش الأميركي ثلاث ناقلات على الأقل ترفع العلم الإيراني في المياه الآسيوية، وأعاد توجيه مسارها بعيداً عن المواقع القريبة من الهند وماليزيا وسريلانكا.
يرى محللون أن اعتراض السفن من الطرفين يعني أن الصراع دخل مرحلة عض الأصابع الاقتصادية، حيث لا أحد يريد حرباً شاملة، لكن كل طرف يريد رفع كلفة الانتظار على الآخر؛ ما يجعل النفط أكثر حساسية من أي وقت مضى لأي حادث بحري محدود.
قال كبير المحللين في «نيسان سكيوريتيز إنفستمنت» هيرويوكي كيكوكاوا: «مع استمرار عدم وضوح نتائج المحادثات وإغلاق مضيق هرمز، تفتقر السوق إلى اتجاه واضح».
وأضاف كيكوكاوا في مذكرة للعملاء: «ما لم يُستأنف القتال، فمن المرجح أن تظل الأسعار قريبة من المستويات الحالية في الوقت الراهن، وتبدأ في الصعود التدريجي مع استمرار شح الإمدادات».
ارتفع إجمالي صادرات النفط الخام والمنتجات النفطية من الولايات المتحدة بواقع 137 ألف برميل يومياً إلى مستوى قياسي بلغ 12.88 مليون برميل يومياً، إذ اشترت دول آسيوية وأوروبية الإمدادات بعد الاضطرابات المرتبطة بحرب إيران.
وقالت إدارة معلومات الطاقة أمس الأربعاء إن مخزونات النفط الخام الأميركية ارتفعت، بينما انخفضت مخزونات البنزين ونواتج التقطير.
كما ازدادت مخزونات الخام 1.9 مليون برميل، مقارنة بتوقعات بانخفاضها 1.2 مليون برميل في استطلاع لـ«رويترز».
وانخفضت مخزونات البنزين 4.6 مليون برميل، في حين توقع المحللون سحب 1.5 مليون برميل. وتراجعت مخزونات نواتج التقطير 3.4 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاضها 2.5 مليون برميل.
مع استمرار تعطل الإمدادات عبر «هرمز»، تتزايد مخاطر انتقال صدمة النفط إلى التضخم العالمي عبر ارتفاع تكاليف الشحن والوقود والتصنيع؛ ما قد يدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خفض الفائدة أو العودة إلى التشديد النقدي.
قال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك: إن موسكو ستحول إمدادات النفط الآتية من كازاخستان، والتي كانت تذهب إلى ألمانيا، عبر خط أنابيب «دروغبا» إلى مسارات أخرى اعتباراً من الأول من مايو، لاعتبارات فنية.
وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت تمديد الإعفاء من العقوبات المفروضة على النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً، استجابة لطلبات من الدول الأكثر عرضة لمخاطر نقص الإمدادات جراء إغلاق مضيق هرمز.
كما قال مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الطاقة: إن التكتل يبحث إلزام الدول بتخزين كميات من وقود الطائرات وإعادة توزيعه حسب الاحتياجات والنقص في المنطقة، وذلك مع تزايد المخاوف من احتمال حدوث نقص في الإمدادات.
قال محللو «آي إن جي» بنك: «السوق يخشى من دخول الصراع في حالة اللا سلم واللا حرب، رغم الارتفاع المحدود الآن، يتزايد تسعير علاوة المخاطر إذا طال أمد الحرب وتعثر الإمدادات».
المحللون أضافوا: «أسعار النفط ارتفعت عقب قرار إيران التراجع عن فتح مضيق هرمز، ولا تزال تُتداول بطريقة تشير إلى حالة عدم اليقين بشأن المحادثات الأميركية الإيرانية».
كما أوضح محللو «سيتي بنك» في مذكرة: «ما زلنا نميل إلى توقيع مذكرة تفاهم أو نجاح تمديد وقف إطلاق النار؛ ما قد يتطور إلى اتفاق أوسع نطاقاً، ومع ذلك فإننا قد نتحول نحو سيناريو اضطراب أطول أمداً إذا تعثرت المفاوضات».
وإذا نجحت المفاوضات وبدأت الملاحة تعود تدريجياً في هرمز، فقد تتراجع الأسعار سريعاً نحو مستويات التسعينات المنخفضة؛ أما إذا تعثرت المحادثات أو وقع احتكاك عسكري جديد، فقد يعود النفط قرب مستويات قياسية عند 150 دولاراً.
قال بنك «سيتي» في مذكرة: «إذا استمرت الاضطرابات في المضيق لمدة شهر آخر، فقد ترتفع الخسائر الإجمالية إلى نحو 1.3 مليار برميل، مع احتمال أن يحوم متوسط سعر البرميل عند 110 دولارات في الربع الثاني من عام 2026».
كذلك قال محللون في «سوسيتيه جنرال»: «ارتفاع أسعار النفط الناجم عن إغلاق مضيق هرمز قد خفض الطلب بنحو 3% حتى الآن».
وأضافوا في مذكرة: «المخاطر تتجه نحو خسائر أكبر كلما تأخرت عملية فتح المضيق أمام الملاحة، متوقعين أن عودة الملاحة بشكل كامل لن تتحقق إلا بحلول أواخر عام 2026».
إلى ذلك يبدو النفط اليوم لا ينتظر بياناً سياسياً، بل ينتظر أول سفينة تعبر هرمز بحرية كاملة. وحتى يحدث ذلك، سيبقى كل صعود في الأسعار رسالة واضحة: العالم ما زال رهينة مضيق لا يتجاوز عرضه كيلومترات قليلة، لكنه يحرك اقتصاد العالم.