
تسارع بريطانيا اليوم إلى ترميم علاقتها المضطربة مع أصحاب الثروات الضخمة حول العالم، بعد أن تحولت لندن خلال العام الماضي إلى وجهة طاردة لكبار رواد الأعمال والمليارديرات نتيجة السياسات الضريبية المشددة التي فرضتها حكومة حزب العمال.
مع تزايد موجة المغادرة، بدأت الحكومة تدرك أن خسارة هذه الفئة شديدة الثراء ليست مجرد مسألة رمزية، بل تهديد مباشر لمكانة المملكة المتحدة كأحد أهم مراكز المال العالمية، وفقاً لتقرير نشره موقع «بلومبرغ».
من أبرز من غادروا بريطانيا خلال الفترة الأخيرة مؤسس «Checkout.com» غيّوم بوزاز، والرئيس التنفيذي لـ«Revolut» نيك ستورونسكي، ورجل الأعمال المصري ناصف ساويرس.
وتُقدَّر الثروات التي باتت خارج البلاد بحوالي 120 مليار دولار، وفق مؤشر «بلومبرغ للمليارديرات»؛ ما جعل الحكومة في حالة استنفار بحثاً عن حلول تعيد الثقة وتوقف نزيف الثروة.
وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، أعلنت في موازنة هذا الأسبوع تعديلات تُعد بمثابة تراجع جزئي عن القرارات السابقة التي ألغت الامتيازات الضريبية التاريخية للمقيمين الأجانب المعروفين بـ«Non-Doms».
فقد حددت الحكومة سقفاً لضريبة الميراث على الثروات الخارجية للمقيمين السابقين ضمن هذا النظام عند 5 ملايين جنيه إسترليني لكل عشر سنوات، وذلك للحد من تأثير القرارات العقابية التي فجرت موجة انتقادات واسعة العام الماضي.
كما كشفت وثائق الموازنة عن خطط لاستحداث «عرض ضريبي» جديد يستهدف جذب الكفاءات ذات المهارات العالية، في محاولة لإعادة بناء علاقة بريطانيا مع الطبقة الثرية العالمية التي شعرت بأن البلاد لم تعد بيئة مرحبة.
بدورهم، اعتبر خبراء الثروة العالمية أن هذه التعديلات إقرار من الحكومة بأن إلغاء الامتيازات الضريبية للمقيمين الأجانب في صيغته السابقة كان مبالغاً فيه. إلا أنهم يشككون في قدرة الخطوات الجديدة على استعادة الثقة، خاصة مع استمرار المنافسة الضريبية الشرسة من دول أوروبية مثل إيطاليا واليونان التي تقدم حوافز طويلة الأجل.
تشير تقديرات مراكز بحثية بريطانية إلى أن النظام الجديد – القائم على إقامة تمتد أربع سنوات فقط – يجعل بريطانيا وجهة مؤقتة وغير جذابة للأثرياء الباحثين عن استقرار طويل الأمد، مقارنةً بالنظام السابق الذي استمر لخمسة عشر عاماً.
بحسب تقرير «بلومبرغ»، تواجه الحكومة البريطانية اليوم تحدياً مزدوجاً: فمن جهة، تتوقع جني 30 مليار جنيه إسترليني إضافية من خلال إصلاحات الـ «Non-Dom». ومن جهة أخرى، تحذر المؤسسات البحثية من أن استمرار هجرة الثروة قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات وفرص العمل وتباطؤ النمو الاقتصادي.
كما سبق وظهرت زيادة القلق أيضاً هذا الشهر بعد تداول أنباء عن بحث الحكومة لفرض «ضريبة خروج» على الأصول عند مغادرة البلاد، وهو ما تسبب في تسريع قرار الكثيرين بالرحيل، قبل أن تتراجع الحكومة عن هذا التوجه.