
شهدت الأسواق الإماراتية أداءً صاعداً مطّرداً خلال العام الجاري، رغم بعض فترات التصحيح المحدودة. فقد ارتفع المؤشر العام لسوق دبي المالي (DFM) بنسبة 17% منذ بداية العام ليصل إلى 6,024 نقطة بتاريخ 7 نوفمبر، وهو في طريقه لتسجيل أفضل أداء سنوي منذ عام 2024، وعلى مدى الاثني عشر شهراً الماضية، ارتفع المؤشر بنسبة 30%، متفوّقاً على مكاسب مؤشر MSCI للأسواق الناشئة في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا البالغة 19% للفترة ذاتها.
أما مؤشر سوق أبوظبي العام (FTSE ADX) فقد صعد بنسبة 7% منذ بداية العام ليتداول عند نحو 10,075 نقطة، متجهاً لتحقيق أفضل أداء سنوي منذ عام 2022.
يواصل اقتصاد دولة الإمارات أداءه القوي، إذ رفع مصرف الإمارات المركزي مؤخراً توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025 إلى 4.9% مقارنة بالتقديرات السابقة عند 4.4%، ما يضع الدولة على مسار يفوق متوسط النمو العالمي وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي. والأهم أن النشاط غير النفطي يشكل المحرك الرئيس لهذا النمو، مما يعكس نجاح سياسات التنويع الاقتصادي التي تتبناها الدولة. وتشير التوقعات إلى أن زخم النمو الاقتصادي سيتسارع أكثر في عام 2026 ليصل إلى نحو 5.3%.
ومع التوسع المتزايد في الذكاء الاصطناعي واعتماده في قطاعات متعددة تشمل الرعاية الصحية والتعليم والطاقة والخدمات اللوجستية، يُتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي بنحو 20% من الناتج المحلي غير النفطي بحلول عام 2031. كما يسهم تنامي عدد الشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا المالية (Fintech) في تسريع وتيرة التحول الرقمي، فيما تستثمر شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى مثل Google مليارات الدراهم في الدولة، بما ينسجم مع مكانة الإمارات كمركز عالمي للابتكار.
ووفقاً لتقارير وزارة الاقتصاد والسياحة، تسهم الشركات العائلية بنحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي وتشكل حوالي 90% من شركات القطاع الخاص، كما توفر أكثر من 80% من فرص العمل في الدولة.
يحافظ القطاع العقاري في الإمارات على زخمه القوي مدعوماً بتزايد أعداد المستثمرين الأثرياء الوافدين وارتفاع الطلب على المكاتب والبنية التحتية، إلى جانب مشاريع التطوير الفاخرة والمبتكرة. فقد بلغت قيمة الصفقات العقارية في دبي نحو 560 مليار درهم حتى الآن، متجاوزة الرقم القياسي للعام الماضي قبل نهاية العام بشهرين.
وقادت الشقق السكنية هذا النمو، بينما تراجعت صفقات الفلل نسبياً، في حين شكّلت مبيعات المشاريع على المخطط (off-plan) أكثر من 70% من إجمالي المعاملات بفضل خطط السداد المرنة.
كما تجاوز عدد سكان دبي 4 ملايين نسمة في سبتمبر 2025، ومن المتوقع أن ينتقل نحو 9,800 مليونير إلى الإمارات هذا العام، ما يعزز الطلب على العقارات.
وتتمتع شركات التطوير الكبرى مثل إعمار العقارية وألدّار العقارية برؤية مالية أوضح بفضل محفظة المشاريع المقرر تسليمها خلال المرحلة المقبلة.
كما تشهد الدولة زخماً متزايداً في قطاعات ناشئة مثل الطاقة المتجددة، وتصنيع أشباه الموصلات، وإنتاج البطاريات.
في سبتمبر الماضي، أصدرت دائرة المالية في أبوظبي سندات مزدوجة الشرائح بقيمة 3 مليارات دولار، وتمت تغطية الاكتتاب فيها خمس مرات تقريباً (بحجم طلبات تجاوز 18.5 مليار دولار)، ما يعكس الاهتمام العالمي الكبير بالاقتصاد الإماراتي.
وسجل المستثمرون الأجانب مشتريات صافية بلغت 798.7 مليون دولار في سوق أبوظبي للأوراق المالية (ADX) و615 مليون دولار في سوق دبي المالي (DFM) خلال الربع الثالث من 2025، لتتصدّر الإمارات الأسواق الخليجية من حيث صافي الاستثمارات الأجنبية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام بإجمالي 5.9 مليار دولار.
ويتوقع أن تبلغ إصدارات أدوات الدين المحلية نحو 66.1 مليار درهم (18 مليار دولار) في عام 2025، مما يدعم سيولة سوق السندات المحلية ويعزز آفاق النمو في أسواق الدخل الثابت.
تبدو آفاق الأسواق الإماراتية خلال الربع الرابع من 2025 وعام 2026 إيجابية، مدعومة بتطور الأسواق المالية المحلية، واستمرار مشاركة المستثمرين المحليين والأجانب، وتنامي الفرص الاستثمارية في الأسهم والدخل الثابت.
ومن أبرز التطورات البنيوية المنتظرة إطلاق صكوك التجزئة بالدرهم الإماراتي، التي تفتح سوق أدوات الدين السيادية أمام المستثمرين الأفراد لأول مرة. وبفضل الدعم الحكومي والعوائد الجذابة والامتثال لأحكام الشريعة الإسلامية، يُتوقع أن تحافظ هذه الإصدارات على طلب قوي، لتصبح ركيزة جديدة لسوق الصكوك المحلية وتعزز الشمول المالي وتقلل الاعتماد على السيولة المؤسسية.
أما في سوق الطروحات العامة (IPO)، فتبقى الإمارات من أنشط الأسواق الإقليمية، مع استمرار خطط الخصخصة في دبي التي تشمل قطاعات الخدمات اللوجستية والطاقة والنقل والبنية التحتية، إلى جانب قطاعات استهلاكية جديدة.
وفي أبوظبي، يجري جذب شركات كبرى ومؤسسات سيادية إلى السوق. وتشير التوقعات إلى أن الطروحات المقررة في أواخر 2025 وبداية 2026 ستشهد إقبالاً قوياً من المستثمرين الأفراد والمؤسسات، استمراراً لنجاحات سالك وباركن وشركات أدنوك وأليك.
كما تجذب الإمارات اهتمام شركات أجنبية تسعى إلى إدراج مزدوج، ما يعزز عمق الأسواق وتنويعها.
وبعيداً عن نشاط الإدراجات، تظل التجارة والسياحة من أعمدة الاقتصاد الإماراتي، إذ يُتوقع أن يشهد الربع الرابع من 2025 زيادة موسمية في أعداد السياح وارتفاعاً في سعة الرحلات الجوية، مما يدعم قطاعات الطيران والضيافة والتجزئة.
أما في عام 2026، فستواصل اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA)، خصوصاً مع الهند وتركيا وإندونيسيا، دعم الصادرات وإعادة التصدير والنشاط اللوجستي.
ويُعد التحول في قطاع الطاقة من أبرز الاتجاهات الاستراتيجية، مع توسع مشاريع الهيدروجين وتحديث شبكات الكهرباء وزيادة إنتاج الطاقة النظيفة وتطوير وقود الطيران المستدام — ما يخلق فرصاً هيكلية إيجابية أمام قطاعات المرافق والطاقة والخدمات المالية الخضراء، ويُرسي أساساً متيناً لأداء الأسواق الإماراتية في نهاية 2025 وخلال 2026.