logo
مقالات الرأي

الجيل الجديد للمباني بالخليج: عمارة ذكية تخفض كربون التبريد

الجيل الجديد للمباني بالخليج: عمارة ذكية تخفض كربون التبريد
مباني شاهقة في دبي، في 18 فبراير 2023المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

لسنوات عديدة، اقتصر المفهوم السائد للمباني منخفضة الانبعاثات الكربونية إلى حد كبير على المباني التي تستهلك قدراً أقل من الطاقة، إذ تمحورت مؤشرات التقدّم الذي ينبغي إحرازه حول أنظمة التبريد المتطورة، وحلول الإضاءة الأكثر كفاءة، وانخفاض استهلاك الكهرباء.

غير أن دول مجلس التعاون الخليجي باتت اليوم في وضع يتيح لها تجاوز هذه المعايير التقليدية، إذ سيتعين على الجيل القادم من المباني طرح أسئلة أكثر جوهرية: كيف يمكن للتصميم المعماري أن يقلل من الانبعاثات الكربونية قبل الحاجة إلى تدخل التكنولوجيا؟ وكيف يمكن للمبنى أن يواصل أداء مهامه بذكاء وكفاءة على مدى عقود من الزمان؟

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط حيث تستحوذ عمليات التبريد على ما يقارب عن نصف ذروة الطلب على الكهرباء وحوالي ربع إجمالي الطلب السنوي عليها، ومن المتوقع أن تظل المحرك الأكبر لنمو الطلب الإقليمي على الكهرباء حتى عام 2035.

الطاقة الذكية هي التي لا يحتاجها المبنى 

تُحدث مجموعة من العوامل المختلفة - مثل توجيه المبنى، والتظليل، والزجاج، وتصميم الواجهات - تغييراً جذرياً في كمية الحرارة التي يتعين على المبنى التعامل معها. لذلك، ينبغي أن يطرح التصميم منخفض الانبعاثات الكربونية في دول مجلس التعاون الخليجي السؤال التالي: ما هو حجم حمل التبريد الذي يمكن للهندسة المعمارية إلغاؤه قبل اللجوء إلى الأنظمة الميكانيكية؟ 

أظهرت دراسة أُجريت عام 2025 على نماذج أولية لمنازل عالية الكفاءة في دبي أن الأشكال المدمجة، والتزجيج الديناميكي والتظليل الاستراتيجي ساهمت في تقليل اكتساب الحرارة. كما سمحت بعض أنظمة الجدران بمرور حرارة أقل بنسبة تتراوح بين 54% و 79% مقارنة بالحد الأقصى المسموح به وفقاً لكود دبي للبناء. وفي المملكة العربية السعودية، كشفت دراسة أجريت على فيلا نموذجية أن بإمكان تقنيات التبريد السلبي، أو الطبيعي، خفض استهلاك الطاقة المخصصة للتبريد بنحو 22%.

سيظل للتكنولوجيا دائماً دورٌ مهم، ولكن لا ينبغي الاستناد عليها لتعويض قرارات تصميمية كان يمكن تجنبها، فالمباني الأكثر كفاءة في خفض انبعاثات الكربون هي تلك التي تعمل فيها العمارة أولاً على تقليل الطلب على الطاقة، بينما تلبّي التكنولوجيا وتدعم الاحتياجات المتبقية.

البصمة الكربونية للمبنى تبدأ قبل اكتماله 

لا يتقصر تركيز التصميم منخفض الانبعاثات الكربونية على أداء المبنى بعد بدء استخدامه فقط، إذ يتحدد جزء كبير من أثره البيئي مسبقاً بناءً على المواد المستخدمة، وطرق إنتاجها، والكميات المطلوبة منها للمشروع. بالنسبة لمنطقة تشهد وتيرة تطويرات معمارية هائلة بحجم دول مجلس التعاون الخليجي، تستحق هذه الخيارات الأولية تستحق اهتماماً أكبر بكثير.

أظهرت دراسة تمّ إجراؤها على مبنى مكون من ثلاثة طوابق في دبي أن اختيار مواد ذات بصمة كربونية أقل في مراحل مبكرة من عملية التصميم يساهم بتقليل ما يقارب عن 26% من الكربون الكامن، أي الكربون المرتبط بمواد البناء وعمليات التصنيع. تتجه سياسات دولة الإمارات العربية المتحدة نحو هذا المسار، حيث قيّمت خارطة طريق خفض الانبعاثات الكربونية في القطاع الصناعي أكثر من 50 حلاً تشمل استخدام طاقة أنظف، وإعادة التدوير، واعتماد بدائل للأسمنت ذات بصمة كربونية أقل، مع إمكانية خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 90 مليون طن سنوياً.

يتيح هذا الأمر لفرق التصميم فرصة لتجاوز المعايير التقليدية التي تقتصر على مدى ملاءمة المادة للجانب الجمالي والميزانية، إذ ينبغي أن يصبح مصدر المواد المستخدمة، ومستوى كثافة الكربون المرتبط بها، وإمكانية استخدام مادة بديلة تحقق الأداء ذاته، قضايا رئيسية وجزءً أساسياً من أي نقاش يتعلقّ بالتصميم.

مرحلة الحصول على تصنيف الاستدامة ليست سوى نقطة الانطلاق

لا يمكن تصميم الجيل القادم من المباني منخفضة الانبعاثات الكربونية بحيث تقتصر كفاءة أدائها على يوم اكتمال بنائها، بل يتعين مواصلة التعلم من واقع استخدامها الفعلي والتكيف بناءً على ذلك.

تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي ركائز قوية تدعم هذا التحول، إذ تفرض مبادرة "السعفات" في دبي متطلبات إلزامية للاستدامة في المباني الجديدة، بينما يُقيّم برنامج "مستدام" في المملكة العربية السعودية جوانب متعددة تشمل كفاءة استهلاك الطاقة والمياه وجودة البيئة الداخلية. ورغم أن هذه الأطر تضع أساساً هاماً، إلا أن الحصول على الشهادة يمثل بداية لرحلة مستمرة من تحسين الأداء.

هنا يأتي دور التكنولوجيا في الارتقاء بتصاميم المباني منخفضة الكربون إلى آفاق جديدة، إذ تتيح أنظمة إدارة المباني المدعومة بالذكاء الاصطناعي استجابة أكثر ذكاءً للمتغيرات المحيطة، بينما تضمن تقنيات التحكم الدقيق في المناخ ضبط درجات الحرارة والرطوبة بمستويات مثالية دون هدر للطاقة. علاوة على ذلك، تتيح أنظمة المراقبة الفورية تتبع مؤشرات حيوية، مثل جودة المياه وأداء الأنظمة، مما يُمكّن فرق العمل من رصد أوجه القصور وإجراء التعديلات اللازمة في وقت مبكر.

التجديد البيئي هو الخطوة التالية

تساعد التكنولوجيا المباني على استهلاك موارد أقل بمرور الوقت، إلا أن المرحلة التالية في تطور التصميم منخفض الكربون ينبغي أن تتجاوز ذلك. يوسّع التصميم التجديدي المعزز للعمر الصحي نطاق الطموح عبر طرح تساؤل مفاده: هل يمكن للتطوير العمراني أن يتخطى مجرد الحد من الأثر البيئي، ليبدأ في تقديم مساهمة إيجابية للمكان؟

على سبيل المثال، يُعد منتجع ديزرت روك في المملكة العربية السعودية نموذجاً لكيفية تحويل هذا الفكر إلى مشروع واقعي ومكتمل، فبدلاً من فرض هيكل تقليدي على المشهد الطبيعي، تم دمج أجزاء كبيرة من المنتجع داخل التكوينات الصخرية القائمة. كما أُعيد استخدام المواد المستخرجة أثناء أعمال البناء في الموقع نفسه، في حين ساهمت التهوية الطبيعية وضوء النهار في خفض الطلب على الطاقة. فضلاً عن ذلك، يعتمد تشغيل المنتجع بالكامل على الطاقة الشمسية.

يوسّع هذا كلّه من الآفاق التي يمكن أن يصبو إليها التطوير والتصميم منخفض الانبعاثات الكربونية، ففي حين يظل خفض استهلاك الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالمواد المستخدمة وعمليات البناء أمراً جوهرياً، ينبغي أن يتمثل الطموح طويل الأمد في إبداع مبانٍ تتفاعل مع بيئتها وتجعلها أكثر قوة ومتانة بمرور الوقت.

أما التحول الأهم فيكمن في الآتي: ينبغي ألا يقتصر مفهوم انخفاض الانبعاثات الكربونية على كونه مجرد سمة يحققها المبنى، بل يجب أن يصبح جزءً أصيلاً من هوية المبنى ذاته. حين يتحقق ذلك، لن تعود الاستدامة مجرد إضافة تكميلية للعمارة، بل ستصبح هي العمارة بحد ذاتها.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف