
كشفت شركة «ماكينزي» للاستشارات عن أن تداعيات أزمة مضيق هرمز على قطاع الطاقة العالمي قد فاقت تداعيات حرب أوكرانيا بنحو 6 أضعاف، مشيرة إلى أن هذه الأزمة ستكون لها تداعيات طويلة المدى على القطاع الحيوي.
وقالت ماكينزي في تقرير لها بعنوان «تداعيات لاحقة: أمن الطاقة في مرحلة ما بعد أزمة مضيق هرمز» إنه «بشكل إجمالي، أدى إغلاق المضيق -في ذروته- إلى تعطيل 14% من إمدادات النفط والغاز العالمية مجتمعة، وهي نسبة تفوق بأكثر من الضعف حجم التأثير النسبي لأزمات النفط في سبعينيات القرن العشرين، وتزيد بأكثر من ستة أضعاف عن ذروة التأثير الناجم عن الصراع الروسي الأوكراني في عام 2022»، معقبة: «مع العلم أن تلك الأزمات استمرت لفترة أطول مما استمر عليه الاضطراب الحالي حتى الآن».
وأضافت «ماكينزي»: «يعتمد الجميع على الطاقة: أفراداً وشركات ودولاً. وتُعدّ الأزمة المتعلقة بمضيق هرمز أحدث حلقة في سلسلة الأحداث التي تؤثر على منظومة الطاقة. ولا يمكن استبعاد حدوث اضطرابات أخرى، سواء كانت ناجمة عن تعطل الممرات الحيوية، أو فرض عقوبات، أو شن هجمات على البنية التحتية».
وأوضحت شركة الاستشارات الدولية أنه «في ظل هذه المعطيات، يتعين على صناع القرار ألا يكتفوا بالتفكير في سبل حماية أعمالهم واقتصاداتهم فحسب، بل عليهم أيضاً التفكير في كيفية ضمان استمرار الأنشطة في ظل هذه الاضطرابات».
في حين أثر إغلاق المضيق على العديد من السلع، كان قطاع الطاقة هو الأكثر تضرراً. وقد طال التأثير الأكبر حتى الآن النفط بشقيه الخام والمكرر. وشكّل النفط 91% من إمدادات الطاقة المتأثرة، بينما توزعت النسبة المتبقية على الغاز. ونظراً لاستخدام النفط بشكل رئيسي في إنتاج وقود النقل (البنزين والديزل ووقود الطائرات) والمواد البتروكيماوية، فضلاً عن ندرة بدائله وتوزعه الجغرافي غير المتكافئ، فإن التخلص من الاعتماد عليه في مجال الطاقة يمثل تحدياً بالغ الصعوبة.
وفي المقابل، لم تتأثر إمدادات الغاز بشكل مباشر إلا بنسبة 3%، فمع أن خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال يمر عبر مضيق هرمز، إلا أن الغاز الطبيعي المسال نفسه لا يمثل سوى أقل من 15% من إمدادات الغاز العالمية.
وقد شهدت أسعار خام برنت ارتفاعاً مؤقتاً لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات، متجاوزةً 120 دولاراً للبرميل، لكنها عادت للانخفاض لاحقاً، ولم تسجل -حتى الآن على الأقل- عودةً إلى تلك المستويات.
لقد شهد العالم مثل هذه الظروف من قبل، إذ تقدم أزمات الطاقة السابقة تذكيراً قوياً بالمخاطر المحتملة، مثل طوابير السيارات أمام محطات الوقود في سبعينيات القرن الماضي، ومعدلات التضخم المرتفعة، والركود الاقتصادي، والاضطرابات السياسية.
وقد أعاد هذا الاضطراب في بدايته المخاوف من سيناريو كارثي مماثل لما حدث في السبعينيات. ففي ذروة الأزمة، كان نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية عرضة للانقطاع. ومنذ الإغلاق الأولي للمضيق في مارس 2026، اتسم الصراع بالتقلب، إذ تخللته فترات إغلاق وإعادة فتح جزئي، فضلاً عن ظهور اضطرابات إقليمية جديدة مما أدى إلى حالة من عدم اليقين الكبير في أسواق الطاقة.
وأدت إعادة توجيه الإمدادات عبر خطوط الأنابيب وزيادة الإنتاج إلى تعويض نحو 35% من تلك الكمية البالغة 15.5 مليون برميل يومياً. فقد أتاح خطان للأنابيب -وهما خط الأنابيب «شرق-غرب» التابع للمملكة العربية السعودية، وخط أنابيب شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) المتجه إلى الفجيرة- تجاوز مضيق هرمز، إذ ساهم رفع كفاءة تشغيل هذين الخطين في نقل 4.7 مليون برميل إضافي يومياً بعيداً عن منطقة الإغلاق. كما جاءت 0.5 مليون برميل إضافية يومياً من زيادة الإنتاج، لا سيما في كل من البرازيل وكازاخستان والولايات المتحدة وفنزويلا.
إلى جانب خطوط الأنابيب، لعبت المخزونات الاستراتيجية للدول دوراً مهماً في تخفيف تداعيات أزمة مضيق هرمز، إذ نسقت وكالة الطاقة الدولية (IEA) عملية سحب من المخزونات في شهر مارس، وتعهدت الولايات المتحدة وحدها بطرح 172 مليون برميل.
وكان لمرونة قطاع الطاقة دورها في التخفيف من وطأة الأزمة من خلال إعادة توجيه الشحنات ورفع هوامش تكرير المصافي بالإضافة لقيام بعض المصافي بعدة تعديلات حتى تستطيع التعامل مع أنواع نفط مختلفة وموردين مختلفين.
وأشارت ماكينزي إلى أنه رغم أهمية هذه الخطوات ودورها الكبير في تخفيف تبعات الأزمة لكن هذه المصدات بدأت تنفد، فقد وصل احتياطي النفط الاستراتيجي الأميركي إلى أدنى مستوياته منذ عام 1982، كما سحبت الصين كمية قياسية تراوحت بين 47 و57 مليون برميل من مخزوناتها في شهر سبتمبر.
وفي سبتمبر أيضاً، تعرّض خط الأنابيب «شرق-غرب» لهجوم بينما شهد شهر أكتوبر أكبر عدد من الهجمات على السفن منذ اندلاع الحرب، وتصنف ماكينزي هذه الخطوات كوسيلة دفاعية ضد الاضطراب، معقبة: «لكن الوسائل الدفاعية تحميك لمرة واحدة ولا تستمر إلى الأبد».
وترى ماكينزي أن القطاع ينتظر حلولاً جوهرية مثلما حدث في أزمة السبعينيات عندما أغلقت قناة السويس لعدد من السنوات وولدت خلال هذه الفترة ناقلات النفط العملاقة لجعل الرحلة حول رأس الرجاء الصالح مجدية اقتصادياً.