
سجّل سوق أبوظبي العقاري واحدة من أقوى فتراته خلال النصف الأول من عام 2026، بعدما بلغت قيمة التصرفات العقارية نحو 117 مليار درهم (قرابة 32 مليار دولار)، بنمو سنوي تجاوز 112%، في وقت تشهد فيه المنطقة والعالم حالة من عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.
يرى خبراء تحدثوا لـ«إرم بزنس» أن هذه النتائج لا تعكس دورة انتعاش مؤقتة، بل تستند إلى عوامل اقتصادية وهيكلية تعزز مكانة أبوظبي كوجهة استثمارية طويلة الأجل، تبدأ من النمو السكاني والاقتصاد غير النفطي، ولا تنتهي عند البيئة التنظيمية والاستقرار الذي جعل الإمارة وجهة لرؤوس الأموال العالمية.
يرى فارس آل خطاب، المدير التنفيذي لشركة (Object 1) في أبوظبي، أن ما يشهده السوق خلال عام 2026 يتجاوز كونه دورة سوقية قصيرة الأجل، إذ تشير المؤشرات إلى نمو يرتكز على تحولات اقتصادية وسكانية حقيقية.
ويلفت إلى أن الربع الأول من عام 2026 سجل وحده تصرفات عقارية بقيمة 66 مليار درهم عبر 13,518 معاملة، بنمو سنوي بلغ 160.7%، وهو أعلى أداء ربعي يحققه السوق حتى الآن.
ويضيف أن استدامة هذا النمو ترتبط مباشرة بالتغيرات التي يشهدها اقتصاد الإمارة، إذ ارتفع عدد سكان أبوظبي إلى 4.14 مليون نسمة خلال عام 2024، بالتزامن مع نمو التوظيف بنسبة 9.1%، فيما سجل الاقتصاد غير النفطي نمواً بنسبة 6.6% خلال الربع الثاني من عام 2025، ليشكل 56.8% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويشير إلى أن هذه المؤشرات تعني أن الطلب على العقارات لم يعد قائماً فقط على الاستثمار قصير الأجل، بل أصبح مدفوعاً بزيادة أعداد السكان، وتوسع فرص العمل، وارتفاع أعداد المقيمين الذين يختارون الاستقرار في أبوظبي على المدى الطويل.
ورغم ذلك، يؤكد آل خطاب أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب قدراً كبيراً من الانضباط، مع دخول المزيد من المطورين إلى السوق وإطلاق مشاريع جديدة، موضحاً أن استمرار النمو سيعتمد على تطوير مشاريع تلبي الطلب الحقيقي، واختيار المواقع المناسبة، وإنشاء مجتمعات سكنية توفر قيمة حقيقية للسكان، بدلاً من الاكتفاء بالاستفادة من موجة المبيعات الحالية.
ويتفق مع ذلك الأستاذ الدكتور عبداللطيف العزعزي، الخبير الاقتصادي ومستشار ريادة الأعمال، الذي يرى أن النمو القياسي الذي حققه السوق جاء نتيجة مجموعة من العوامل المتزامنة، في مقدمتها الارتفاع الكبير في الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب استمرار الطلب المحلي والنمو الهيكلي الذي يستند إلى التوسع السكاني والاقتصاد غير النفطي.
ويضيف أن استمرار الإقبال على شراء العقارات على الخارطة يعكس مستوى مرتفعاً من الثقة بالمطورين العقاريين وبالبيئة التنظيمية لسوق أبوظبي، مشيراً إلى أن التوسع في مناطق التملك الحر، واعتماد ثماني مناطق استثمارية جديدة ليصل إجمالي مناطق التملك الحر إلى 50 منطقة، إلى جانب تسجيل 28 مشروعاً عقارياً جديداً، أسهم جميعها في توسيع قاعدة الاستثمار.
كما يلفت إلى أن المبادرات الرقمية التي أطلقها مركز أبوظبي العقاري، وعلى رأسها منصة «مضمون» وتقارير السوق الدورية، عززت مستويات الشفافية، ورسخت مكانة أبوظبي كوجهة استثمارية موثوقة على المدى الطويل، في وقت ارتفع فيه عدد جنسيات المستثمرين الأجانب غير المقيمين إلى 116 جنسية.
لا يقتصر التحول على حجم الطلب، بل يمتد إلى طبيعة المشترين أنفسهم، بحسب آل خطاب، الذي يؤكد أن السوق يشهد حالياً توازناً بين المستثمرين الدوليين والمشترين الراغبين في السكن.
ويشير إلى أن الاستثمارات العقارية الأجنبية في أبوظبي بلغت هذا العام 8.27 مليار درهم، بمشاركة مستثمرين من 99 جنسية، في حين يواصل المشترون بغرض السكن لعب دور رئيسي في تعزيز استقرار السوق ونضجه.
ويضيف أن المستثمرين لم يعودوا يعتمدون في قراراتهم على توقعات ارتفاع الأسعار فقط، بل أصبحوا أكثر اهتماماً بعوامل مثل الطلب على الإيجارات، وحجم المعروض المستقبلي، وسجل المطور في تنفيذ المشاريع، وجودة البنية التحتية للمجتمع، وقدرة العقار على المحافظة على جاذبيته للمستأجرين مستقبلاً.
رغم ما شهدته المنطقة من توترات جيوسياسية خلال الأشهر الماضية، يرى الخبراء أن سوق أبوظبي العقاري أثبت قدرة لافتة على الحفاظ على زخمه، مستفيداً من المكانة التي رسختها الإمارات كوجهة آمنة لرؤوس الأموال.
ويقول الكاتب والباحث الاقتصادي الإماراتي نجيب الشامسي إن المستثمر، سواء كان إماراتياً أو مقيماً، يدرك أن اقتصاد الإمارات، وأبوظبي على وجه الخصوص، يستند إلى بنية تحتية متطورة، وتشريعات حديثة، ومؤسسات قوية، وشركات قادرة على حماية المستثمرين ورؤوس الأموال في مختلف القطاعات، سواء التجارية أو المالية أو الاستثمارية.
ويضيف أن امتلاك الإمارات واحداً من أكبر الصناديق السيادية في العالم عزز ثقة المستثمرين بالاقتصاد الوطني، كما أن قدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار في ظل المتغيرات الإقليمية رفعت مستويات الثقة لدى المواطنين والمقيمين على حد سواء، مشيراً إلى أن الفترات التي تشهد اضطرابات عالمية تدفع في كثير من الأحيان رؤوس الأموال إلى البحث عن بيئات أكثر استقراراً، وهو ما يجعل الإمارات، وأبوظبي تحديداً، من أبرز الوجهات المستفيدة من هذه التحولات.
ويتفق معه العزعزي، الذي يرى أن مرونة القطاع العقاري الإماراتي تستند إلى مجموعة من الركائز الأساسية، في مقدمتها مكانة الإمارات كوجهة جاذبة للاستثمارات الآمنة في أوقات عدم اليقين العالمي، إلى جانب استمرار النمو السكاني، ونجاح برامج الإقامة، وفي مقدمتها الإقامة الذهبية، في جذب أصحاب الثروات والشركات العالمية.
ويشير إلى أن الزخم الحالي لا يعتمد على المضاربة، وإنما على طلب حقيقي من المستخدمين النهائيين والمستثمرين، مدعوماً بتوسع الأنشطة الاقتصادية، وارتفاع العوائد الإيجارية مقارنة بعدد من الأسواق العالمية، فضلاً عن استمرار نمو السكان، وهو ما ينعكس في زيادة الطلب على التأجير والتملك معاً.
يرجح المطورون والخبراء استمرار الزخم خلال النصف الثاني من عام 2026، في ظل استمرار العوامل التي دعمت السوق خلال الأشهر الماضية.
ويرى آل خطاب أن التفاؤل لا يستند فقط إلى قوة الطلب، بل أيضاً إلى السياسات الحكومية الجديدة ومشاريع البنية التحتية التي تعزز من جاذبية أبوظبي كمدينة للعيش والاستقرار على المدى الطويل.
ويشير في هذا السياق إلى قرار التجميد المؤقت لزيادات الإيجارات، الذي يمنح السكان مزيداً من الاستقرار والوضوح بشأن تكاليف السكن، في وقت تشهد فيه معدلات الإشغال والإيجارات ارتفاعاً، إضافة إلى مبادرة «استأجر الآن وادفع شهرياً»، التي تستهدف التحول من الدفعات السنوية أو ربع السنوية إلى مدفوعات شهرية رقمية أكثر مرونة.
كما يتوقع أن يسهم مشروع قطارات الاتحاد للركاب في توسيع قاعدة الطلب على السكن في أبوظبي، بعد بدء تشغيل الرحلات بين أبوظبي والفجيرة في يونيو، والاستعداد لافتتاح محطتي دبي والذيد في سبتمبر 2026، بما يسهل التنقل بين إمارات الدولة ويجعل السكن في أبوظبي خياراً أكثر جاذبية حتى للعاملين خارج الإمارة.