
انتعشت أسهم التكنولوجيا الأميركية بقوة خلال تعاملات الاثنين، بعد موجة خسائر حادة شهدتها الأسواق الأسبوع الماضي، كانت الأكبر منذ اضطرابات الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب في أبريل 2025، وسط تحسن معنويات المستثمرين وتراجع المخاوف بشأن تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي.
وارتفع مؤشر «ناسداك 100»، الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا الكبرى، بنسبة 1.3% عقب افتتاح التداولات، فيما صعد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.5%.
وجاء التعافي بعدما تكبد مؤشر «ناسداك 100» خسائر أسبوعية بلغت 5.5%، نتيجة موجة بيع قوية في أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً خلال جلسة الجمعة.
ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» عن محللين قولهم إن ارتفاع الأسهم يمثل تصحيحاً طبيعياً بعد موجة بيع مبالغ فيها، دفعت أسعار العديد من الشركات إلى مستويات أكثر جاذبية للمستثمرين.
وقال سيب باركر، كبير استراتيجيي الأسواق لدى شركة إدارة صناديق التحوط «مارشال ويس»، إن الأسواق بالغت في سرعة تبني السيناريو السلبي بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي، ما أسهم في تسارع عمليات البيع خلال الأسبوع الماضي.
جاءت موجة التراجع الأخيرة وسط تنامي المخاوف بشأن انخفاض أسعار السندات المرتبطة بتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وما قد يترتب على ذلك من ارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع قدرة الشركات على تمويل توسعاتها.
وتزامنت هذه المخاوف مع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ما دفع المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول عالية المخاطر.
لكن تحسن الأوضاع خلال عطلة نهاية الأسبوع ساعد على تهدئة الأسواق.
وقال براشانت بهاياني، كبير مسؤولي الاستثمار لمنطقة آسيا لدى «بي إن بي باريبا لإدارة الثروات»، إن تحسن المعنويات جاء مدعوماً بعدم حدوث تصعيد جوهري جديد في الحرب مع إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع.
كانت شركة «كور ويف»، المتخصصة في توفير البنية التحتية السحابية للذكاء الاصطناعي، من أبرز المستفيدين من تعافي أسهم التكنولوجيا، بعدما ارتفع سهمها بنسبة 4.6% خلال تعاملات الاثنين.
وجاء الصعود بعد خسائر بلغت 25% خلال الأسبوع الماضي، عندما أصبحت الشركة محور المخاوف بشأن استدامة التمويل الموجه إلى مشاريع الذكاء الاصطناعي.
كما تعرضت سندات الشركة لضغوط بيعية حادة، ما أثار مخاوف من امتداد أزمة التمويل إلى شركات أخرى تعتمد على الاقتراض لتمويل مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية.
لكن محللين في «باركليز» اعتبروا أن تراجع سندات «كور ويف» لا يمثل بالضرورة مؤشراً على ضعف دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وقال أجاي راجادياكشا، الرئيس العالمي للأبحاث لدى البنك، إن القضية الأساسية بالنسبة للمستثمرين ليست ارتفاع تكلفة اقتراض الشركة، بل مدى وجود طلب حقيقي ومستدام على البنية التحتية التي تطورها.
وأضاف أن النتائج المالية القوية التي أعلنتها مؤخراً شركة «تي إس إم سي» التايوانية لصناعة الرقائق وشركة «إيه إس إم إل» الهولندية لمعدات تصنيع أشباه الموصلات قدمت دليلاً واضحاً على استمرار قوة الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
في المقابل، خالفت الأسواق الأوروبية الاتجاه الصعودي في وول ستريت، متأثرة بتصاعد الاضطرابات السياسية في فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع، وما أثارته من مخاوف بشأن آفاق النمو الاقتصادي في منطقة اليورو.
وتراجع مؤشر «ستوكس أوروبا 600» بنسبة 1.1% خلال تعاملات بعد الظهر، فيما انخفض مؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 1.7%.
كما تعرضت السندات الحكومية الفرنسية لموجة بيع، في ظل تزايد قلق المستثمرين بشأن الأوضاع السياسية والمالية في البلاد.
ويعكس هذا التباين استمرار حساسية الأسواق الأوروبية للمخاطر السياسية المحلية، في وقت تحاول فيه الأسهم الأميركية التعافي من خسائر قطاع التكنولوجيا.
امتد التحسن في معنويات المستثمرين تجاه شركات الذكاء الاصطناعي إلى الأسواق الآسيوية، حيث ارتفع مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 1.8%، بعد خسائر أسبوعية بلغت 14% خلال الأسبوع الماضي.
ويضم المؤشر شركتي «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس»، اللتين تعدان من أبرز المستفيدين من الطلب العالمي على رقائق الذاكرة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، واصلت الأسهم الإندونيسية خسائرها الحادة، بعدما هبط مؤشر جاكرتا المركب بنسبة 3.6%، ليعمق تراجعه البالغ 11.6% خلال جلسة الجمعة.
وجاءت الخسائر بعد تهديد شركة «إم إس سي آي» باستبعاد إندونيسيا من مؤشراتها القياسية، ما أثار مخاوف بشأن خروج تدفقات استثمارية أجنبية من السوق.
النفط يتراجع دون 108 دولارات
وفي أسواق الطاقة، تراجعت أسعار النفط مع تحسن نسبي في شهية المخاطرة وغياب تصعيد جديد كبير في الحرب مع إيران.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت، المعيار العالمي لأسعار النفط، بنسبة 1.8% إلى 107.82 دولار للبرميل.
ويأتي التراجع بعد فترة من التقلبات الحادة التي شهدتها أسواق الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط والمخاوف المتعلقة بإمدادات النفط العالمية.
ورغم تعافي أسهم التكنولوجيا الأميركية، لا تزال الأسواق تترقب مؤشرات إضافية بشأن قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد تبرر الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية.
ويرى محللون أن نتائج الشركات الكبرى خلال موسم إعلان أرباح الربع الثالث ستكون اختباراً مهماً لمدى استدامة التعافي، خصوصاً بعد أن كشفت موجة البيع الأخيرة عن حساسية المستثمرين المتزايدة تجاه مستويات الديون وتكاليف تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي.