
يواجه الاقتصاد الأميركي أزمة صامتة تتجذر في عمق مؤسساته الإدارية، إذ باتت البيروقراطية المتضخمة عبئاً يعرقل النمو ويستهلك الموارد.
فمن مراجعات بيئية تمتد لسنوات، إلى أكثر من أحد عشر مليون طلب تأشيرة قيد الانتظار، وصولاً إلى اختناقات متزايدة في تراخيص التصدير، أصبحت الإجراءات الحكومية أشبه بضريبة خفية تُفرض على النشاط الاقتصادي وتحدّ من ديناميكيته.
وفي ظل غياب إرادة سياسية جادة للإصلاح، يبرز الذكاء الاصطناعي كأقوى فرصة اقتصادية أمام الولايات المتحدة لتجاوز هذا الشلل التنظيمي، وفقاً لتقرير صادر عن «مؤسسة كاتو».
يحذر خبراء الاقتصاد من أن تضخم اللوائح التنظيمية والاعتماد المفرط على النماذج الورقية يحدّان من تنافسية الاقتصاد الأميركي، وتشير تقديرات «منتدى العمل الأميركي» (American Action Forum) إلى أن عبء الأعمال الورقية الفيدرالية يكلف الاقتصاد ما بين 276 و422 مليار دولار سنوياً، وهي موارد كان يمكن توجيهها نحو الابتكار والبنية التحتية وفرص العمل.
أما «غرفة التجارة الأميركية» (U.S. Chamber of Commerce) فتشير إلى أن الأميركيين يقضون نحو 10.5 مليارات ساعة سنوياً في تعبئة 106 مليارات نموذج حكومي، بينما لم يتم رقمنة سوى 2% منها.
وكما قال أحد المحللين: «كل ساعة تُهدر في الامتثال التنظيمي هي ساعة تُنتزع من الإنتاجية، الذكاء الاصطناعي قادر على استعادتها لصالح الاقتصاد».
تبدأ الأزمة من تراكم النصوص القانونية نفسها، فاللوائح الفيدرالية الأميركية تضم أكثر من مليون قيد، وفق بيانات منصة «كوانت غوف» (QuantGov)، وهو كمّ يتطلب قراءة متواصلة تمتد ثلاث سنوات ونصف، هذا التعقيد يدفع الشركات إلى تحويل مواردها من البحث والتطوير نحو تكاليف الامتثال.
غير أن التقنيات الحديثة في تحليل النصوص تتيح للذكاء الاصطناعي معالجة الكمّ الهائل من الوثائق القانونية والإدارية بدقة غير مسبوقة، إذ يمكنه تفكيك ملايين الكلمات لاكتشاف مواضع التكرار والتعارض والثغرات البالية في القوانين.
وفي تجربة رائدة بمدينة سان فرانسيسكو، تعاونت السلطات المحلية مع «مختبر التشريعات» (RegLab) بـ«جامعة ستانفورد» لتحليل أكثر من 16 مليون كلمة من التشريعات البلدية باستخدام أداة ذكاء اصطناعي متقدمة، وقد أسفرت النتائج عن تحديد 528 تقريراً إلزامياً، تبيّن أن 140 منها غير ضروري وأُلغي لاحقاً، ما أدى إلى خفض فوري في الأعباء الإدارية وتعزيز كفاءة الأداء الحكومي.
ويمكن لهذا النموذج أن يُطبَّق على المستوى الفيدرالي، لتحديد التكرار والازدواجية في النصوص التنظيمية وتبسيطها، ما قد يوفّر مليارات الدولارات ويُحسّن كفاءة الأسواق الأميركية.
بعيداً عن تعقيدات القوانين، تشكل التأخيرات الإدارية المزمنة أحد أكبر أعباء القطاع العام، فتصاريح الطاقة والإسكان والهجرة تعاني اختناقات تؤخر الاستثمار وتحد من النمو.
وهنا تبرز قدرة الذكاء الاصطناعي على تسريع التحليل والمراجعة من خلال أتمتة عمليات البحث والمطابقة والتحقق، فقد بدأت «مكاتب الولايات المتحدة لبراءات الاختراع والعلامات التجارية» (USPTO) بالفعل في استخدام أدوات ذكاء اصطناعي لتقليص فترات مراجعة الطلبات، بينما أطلقت وزارة الطاقة برنامجاً تجريبياً تحت اسم «برنامج الذكاء الاصطناعي للبنية التحتية والتراخيص» (AI4IX) يعتمد على أنظمة افتراضية تكتشف الأخطاء وتقترح تصحيحها وتتابع المعاملات حتى إتمامها.
وفي مدينة هونولولو، ساهم نظام ذكي مماثل في تسريع إصدار تصاريح البناء بنسبة 70%، وهو نموذج يرى الخبراء إمكانية تعميمه على قطاعات الطاقة والبنية التحتية لتفكيك الاختناقات البيروقراطية.
نجاح الذكاء الاصطناعي في رفع الكفاءة يعتمد على تحقيق الرقمنة أولاً، فحتى اليوم، لا يزال 98% من النماذج الفيدرالية ورقياً، ما يعني آلاف المعاملات التي تُطبع وتُرسل يدوياً ثم يُعاد إدخالها في الأنظمة الرقمية بتكلفة وزمن كبيرين.
وقد جعلت التطورات الحديثة في أنظمة التعرف على النصوص، مثل «ميسترال أو سي آر» (Mistral OCR)، الرقمنة الشاملة ممكنة وفعّالة، فهي قادرة على تحويل المستندات الورقية إلى بيانات رقمية دقيقة بنسبة 95%، ما يمهد الطريق لأتمتة الإجراءات الحكومية ومراقبة الامتثال في الوقت الحقيقي.
ويُعدّ الأثر الاقتصادي لهذه الخطوة ضخماً، ففي قطاعات مثل الأمن السيبراني، تشير الدراسات إلى أن متطلبات الامتثال تستنزف ما يصل إلى نصف وقت المهندسين، وإذا تمكن الذكاء الاصطناعي من أتمتة هذه المهام، فقد تضاعف الطاقة الإنتاجية دون الحاجة إلى مزيد من القوى العاملة.
يتفق الاقتصاديون على أن تبسيط الإجراءات الحكومية ليس مجرد إصلاح إداري، بل ضرورة اقتصادية، فاختصار زمن الترخيص والتصريح يعجّل بتنفيذ المشاريع الصناعية والعقارية، ويحفّز تأسيس الشركات والاستثمار في قطاعات النمو الجديدة.
وقد وضعت «خطة البيت الأبيض للذكاء الاصطناعي» (White House’s AI Action Plan) رقمنة المؤسسات الحكومية ضمن أولوياتها الوطنية، غير أن النجاح يعتمد على التنفيذ الفعلي ومنح الوكالات الفيدرالية الصلاحيات والحوافز اللازمة لتوسيع تطبيق هذه التقنيات.
الاختيار أمام الولايات المتحدة واضح: إما البقاء في أسر الأنظمة القديمة التي تستنزف النمو، وإما تبنّي الذكاء الاصطناعي كمنصة لإطلاق موجة جديدة من الإنتاجية والتنافسية الأميركية.
وكما لخّص أحد الخبراء الأمر بقوله: «تبسيط مؤسسات الدولة ليس إصلاحاً إدارياً فحسب، بل خيار اقتصادي استراتيجي».