
في تحول غير مسبوق يشهده قطاع التكنولوجيا والطاقة حول العالم، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى في بناء محطات توليد كهرباء خاصة بها لتغذية مراكز البيانات الضخمة المخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويأتي هذا التوجه في ظل عجز الشبكات الكهربائية الوطنية في البلدان عن تلبية الطلب المتنامي على الطاقة، نتيجة النمو الهائل في عدد مراكز البيانات التي أصبحت تستهلك كميات من الكهرباء تعادل استهلاك مدن كاملة.
ويعكس هذا التحول أزمة حقيقية في البنية التحتية للطاقة، إذ لم تعد شبكات الكهرباء قادرة على مجاراة الطلب المتسارع الناتج عن الطفرة في تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
تسعى الشركات إلى تجاوز القيود التقليدية عبر بناء محطات مستقلة لتأمين احتياجاتها من الكهرباء. على سبيل المثال، في ولاية تكساس، يجري تنفيذ مشروع ضخم بقيمة 500 مليار دولار يُعرف باسم «ستارغيت»، تشارك فيه شركتا (OpenAI) و(Oracle)، يهدف إلى تشغيل المراكز البيانات. أما في ولاية تينيسي، فتبني شركة (xAI) التابعة لإيلون ماسك توربينات غازية لتزويد مراكز بيانات ضخمة بالطاقة، فيما تعتمد شركات أخرى مثل (Equinix) على خلايا وقود تولّد الكهرباء داخل مواقع التشغيل نفسها لتقليل الاعتماد على الشبكة العامة.
تصف التقارير هذا الاتجاه بأنه النسخة الجديدة من العالم المتعطش للطاقة، في إشارة إلى الاندفاع السريع لشركات الذكاء الاصطناعي لتوليد الطاقة، وتجاوز التعقيدات البيروقراطية وتأخيرات التصاريح الحكومية. ويرى المحللون أن الشبكات الوطنية لم تُصمم في الأصل لتحمل هذا النوع من الضغط المفاجئ، حيث إن توسعة خطوط النقل أو إنشاء محطات جديدة يحتاج إلى سنوات من الإجراءات والتراخيص، فضلاً عن اختناقات في سلاسل التوريد لمعدات الطاقة. على سبيل المثال، تضيف البيانات أن الولايات المتحدة تضيف سنوياً نحو 65 غيغاواط من القدرة الكهربائية الجديدة فقط، فيما يتطلب الطلب الحالي الناتج عن توسع الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية أكثر من 80 غيغاواط سنوياً.
وهذا الفارق جعل بناء محطات مستقلة حلاً اضطرارياً للشركات التي تخشى تباطؤ توسعها بسبب نقص الطاقة. وتشير التقارير إلى أن بعض الشركات تعتبر إنشاء محطات خاصة حلاً مؤقتاً إلى حين تحسين قدرة الشبكة العامة، فيما تتجه أخرى نحو الاستقلال الكامل عن الشبكة لضمان استمرارية عملياتها.
رغم أن هذه المبادرات تهدف إلى التخفيف من الضغط على الشبكة، فإنها تثير تساؤلات بيئية، خاصة أن معظم المشاريع تعتمد على الغاز الطبيعي كمصدر رئيسي للطاقة، ما قد يزيد من الانبعاثات الكربونية. ويرى خبراء الطاقة أن التوسع غير المنظم في بناء محطات خاصة قد يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تكاليف الكهرباء بالنسبة للمستهلكين والشركات الصغيرة.
مع استمرار توسع الذكاء الاصطناعي وتزايد استخدام الحوسبة المتقدمة، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يتداخل فيها مستقبل الطاقة مع مستقبل التكنولوجيا. فبينما تحاول الحكومات تعزيز قدرات الشبكات الوطنية، تمضي الشركات العملاقة في إنشاء منظوماتها الخاصة من التوليد المستقل، ما قد يعيد رسم خريطة الطاقة في العديد من بلدان العالم في العقد القادم.