
تركز قطر استثماراتها في الذكاء الاصطناعي على خفض تكلفة الطاقة ورفع كفاءة التشغيل في مراكز البيانات. وتعتمد المشاريع الحالية على الغاز الطبيعي لتقليل الإنفاق التشغيلي، مع بناء قدرات حوسبة متقدمة لمعالجة النماذج الكبيرة للذكاء الاصطناعي.
تُشير تقديرات القطاع إلى أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تستهلك ما بين ثلاثة إلى خمسة أضعاف الكهرباء مقارنة بالمراكز التقليدية، كما أن تدريب نموذج لغوي كبير واحد قد يستهلك طاقة تعادل استهلاك آلاف المنازل خلال عام كامل. ويبرز في هذا السياق دور الأسعار المنخفضة للكهرباء في قطر، حيث تسمح بتقليل الأعباء التشغيلية، ما يعزز الجدوى الاقتصادية لمشاريع الحوسبة عالية الأداء
ويشير بنك «الإمارات دبي الوطني» إلى أن كفاءة استخدام الطاقة في مراكز البيانات في الشرق الأوسط تفوق المعدلات العالمية، مما يجعل تكلفة الكهرباء عاملاً حاسماً في تقييم العوائد الاستثمارية.
من الناحية المؤسسية، يمثل إطلاق شركة «كاي» التابعة لجهاز قطر للاستثمار خطوة استراتيجية، إذ تركز على تطوير وامتلاك وإدارة بنية الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، مع تركيز على أنظمة قابلة للتوسع التجاري وذات أثر اقتصادي مرتفع. وبهذا تتحول قطر من دور المستثمر المالي التقليدي إلى امتلاك البنية التحتية الأساسية، ما يعزز السيطرة على الطبقات العليا من سلسلة القيمة في هذا القطاع المتقدم.
على المستوى الإقليمي، شهدت الإمارات والسعودية إطلاق مشاريع ضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، مع استثمارات في البنية التحتية لمراكز بيانات عالية القدرة. ففي السعودية، أُطلقت شركة «هيوماين» (Humain) كأداة استثمارية متخصصة، تستهدف بناء قدرات حوسبة تصل إلى نحو 6 غيغاواط بحلول عام 2034. بينما تعمل الإمارات عبر «جي 42» (G42) على تطوير مجمع ذكاء اصطناعي بقدرة تقارب 5 غيغاواط في مراحله الأولى، ما يضعها ضمن أكبر أسواق الحوسبة عالية الأداء خارج الولايات المتحدة. وتمثل هذه المشاريع جزءاً من التحول الإقليمي نحو بناء سعات ضخمة للبنية التحتية الرقمية، مع التركيز على الطاقة التشغيلية والقدرة على معالجة البيانات على نطاق واسع.
تظل ندرة المهارات البشرية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي عاملاً مقيّداً رئيسياً للنمو. وتشير تقديرات سوق العمل لعام 2025 إلى أن أقل من 1% من مهندسي الذكاء الاصطناعي المتقدم متاحون فعلياً للتوظيف. ومن هنا، تركز قطر على بناء القدرات المحلية من خلال تجميع فرق بحثية متكاملة والتعاون مع مؤسسات أكاديمية وبحثية دولية، ما يسرّع نقل المعرفة ويزيد العائد على الاستثمار في المواهب المتخصصة.
وتشير التقديرات إلى أن قدرة قطر في مجال طاقة الحوسبة قد تصل إلى ما بين 1.5 و2 غيغاواط بحلول عام 2030، بشرط الحفاظ على أسعار الطاقة التنافسية وتسريع تطوير البنية التحتية. ومع انخفاض كلفة تشغيل الوحدة الحسابية، تصبح قطر قادرة على جذب مشاريع عالمية تبحث عن بيئات تشغيل مستقرة ومنخفضة التكلفة، ما يعزز فرصها في بناء اقتصاد رقمي متطور.
وتسعى قطر أيضاً إلى دمج هذه القدرات الرقمية مع قطاعات أخرى، مثل الخدمات المالية والتحليلات الصناعية والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية، ما يضمن أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يترجم إلى فرص اقتصادية ملموسة وإنتاجية أعلى للاقتصاد المحلي. ويؤدي النمو التدريجي والمتوازن لهذه القطاعات إلى خلق فرص عمل متخصصة، ما يضاعف أثر الاستثمارات على المجتمع والاقتصاد.
في المجمل، تركز الاستراتيجية القطرية على بناء نموذج يقوم على الكفاءة والطاقة والتخطيط طويل الأجل، مع التركيز على الربط بين الاستثمار والنتائج الاقتصادية، بعيداً عن التوسع السريع فقط. وبناء على ذلك، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي في قطر كجزء من استراتيجية وطنية شاملة لإعادة تموضع الاقتصاد الرقمي، بما يضمن استدامة العوائد وتطوير القدرات المحلية بشكل متوازٍ، مع الاستفادة من المزايا الهيكلية في الطاقة والبنية التحتية.