
أعلنت شركة «إنفيديا»، الرائدة في تصميم شرائح الذكاء الاصطناعي، مؤخراً، عن خطوتها الأجرأ حتى الآن: نشر قدرات حسابية للذكاء الاصطناعي في الفضاء الخارجي. هذا التحول الهائل نحو ما يصفه المدير التنفيذي جينسن هوانغ بـ«الحوسبة الفضائية» يفتح آفاقاً جديدة لوضع مراكز بيانات في المدار الأرضي وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي مباشرةً في الفضاء، بعيداً عن قيود الشبكات الأرضية وأنظمة تبريد الأرض التقليدية.
خلال مؤتمر مطوريها السنوي GTC 2026، كشفت «إنفيديا» عن منصة Vera Rubin Space-1، وهي نظام شرائح مصمم خصيصاً للتشغيل في مراكز البيانات المدارية. هذه المنصات ليست مجرد شرائح عادية، فقد بنيت لتحمل ظروف الفضاء القاسية من الإشعاع، درجات الحرارة المتطرفة، ومتطلبات الحجم والطاقة.
وفي هذا الإطار، قال هوانغ إن «الذكاء الاصطناعي يجب أن يعيش حيث تُولَد البيانات، حتى في المدار». وهذا يعكس انتقالاً جذرياً من مجرد تقديم شرائح قوية إلى السعي لبناء بنية تحتية كاملة في المدار حيث يمكن للذكاء الاصطناعي العمل دون الاعتماد المستمر على تواصل الأرض.
مع تزايد الطلب على الذكاء الاصطناعي، من تحليل صور الأقمار الصناعية وحتى التطبيقات العسكرية والطبية، أصبحت الشبكات الأرضية تعاني من زمن وصول طويل وكميات ضخمة من البيانات التي تحتاج إلى معالجة فورية. من هنا، يعني تشغيل الذكاء الاصطناعي في الفضاء أن التحليل يحدث في موقع البيانات نفسها أسرع وأكثر كفاءة.
كما يوفر الفضاء ميزة فريدة، وهي تعرض دائم للطاقة الشمسية والبُعد الحراري. التنقل إلى مدار أرضي منخفض (LEO) يتيح الاستفادة من طاقة شمسية مستمرة، بينما يمكن للحرارة المهدورة التبدد عبر الإشعاع في الفضاء بدل الاعتماد على أنظمة تبريد معقدة على الأرض.
وتم تصميم منصة (Vera Rubin Space-1) للاستفادة من بنية شرائح (Rubin GPU) التي توفر قدرة حسابية كبيرة مقارنة بـH100 التقليدية. هذه الشرائح مجتمعة تشكّل وحدة معالجة ضخمة يمكنها التعامل مع تطبيقات تعتمد على التعلم العميق والتحليل اللحظي للبيانات.
وتعمل شركات مثل Axiom Space و Starcloud و Planet Labs مع «إنفيديا» لتطوير أنظمة حوسبة تعمل في المدار، بعضها بدأ بالفعل تجارب تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي، وهي خطوة تحوّلت من فكرة خيالية إلى حقيقة ملموسة.
رغم الحماسة، تواجه هذه المبادرة تحديات ضخمة أبرزها التكلفة الباهظة. إذ إن إطلاق المعدات إلى الفضاء والاحتفاظ بها هناك ليس رخيصاً، فالوزن والطاقة والبنية التحتية تجعل هذه العملية مكلفة للغاية مقارنة بمراكز البيانات الأرضية.
كما أنه في الفضاء لا توجد مراوح ولا مياه تبريد كما على الأرض، فيعتمد التبريد على الإشعاع الحراري فقط، وهو تحدٍ كبير للشرائح العالية الأداء.
إلى ذلك، تتعرض المعدات في الفضاء للإشعاع والظروف القاسية، ما قد يقلّل عمرها الافتراضي مقارنة بالأجهزة في الأرض مما يرفع تكلفة استبدالها وإصلاحها.
في حال نجحت «إنفيديا» وشركاؤها في التغلب على هذه التحديات، فقد يشهد العالم عصراً جديداً من شبكات حوسبة عالمية أسرع بكثير، تشغيل الذكاء الاصطناعي بالقرب من مصدر البيانات في المدار، تسريع معالجة بيانات الأرضيات والأقمار الصناعية، ودعم مهام الفضاء عالية التعقيد مثل الملاحة الذاتية والتحليل العلمي الفوري.
إذن، تمثل خطوة «إنفيديا» نحو مراكز بيانات في الفضاء أكثر من إعلان تكنولوجي. إنها مؤشر على أن حدود الحوسبة لم تعد محصورة على الأرض. ومع ذلك، لا يزال التحول من التجارب إلى الواقع خطوة مليئة بالتحديات التقنية والاقتصادية.