
لم تعد المخاطر التي تواجه اقتصاد الذكاء الاصطناعي تقتصر على المنافسة العالمية على الرقائق الإلكترونية المتقدمة، بل باتت تمتد إلى الحلقة الأقل ظهوراً في سلسلة القيمة؛ وهي المواد الخام والكيماويات الصناعية التي تشكل الأساس التشغيلي للبنية التحتية الرقمية.
وفي هذا السياق، حذر تقرير جديد من أن أي اضطراب ممتد في حركة الملاحة عبر «مضيق هرمز» قد يرفع تكلفة هذه المدخلات، بما ينعكس على الاستثمارات الموجهة إلى قطاع الذكاء الاصطناعي عالمياً.
بحسب تقرير صادر عن شركة «ذا آسيا غروب» (The Asia Group) الاستشارية الأميركية، ونشره موقع AGBI، فإن التداعيات التي شهدها «مضيق هرمز» كشفت أن المخاطر الفعلية لا تتمثل في نقص الرقائق الإلكترونية بقدر ما تكمن في اضطراب تدفقات المواد الصناعية الأساسية اللازمة لبناء مراكز البيانات، وتصنيع أشباه الموصلات، وتوسيع البنية التحتية الحاسوبية التي يعتمد عليها اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
ونقل التقرير عن كيلي ماغسامن، المشاركة في إعداد الدراسة والرئيسة السابقة لموظفي وزير الدفاع الأميركي السابق لويد أوستن، قولها إن «الذكاء الاصطناعي قد يعمل في البيئة السحابية، لكنه يقوم في الواقع على سلاسل إمداد مادية»، في إشارة إلى الاعتماد المتزايد لهذا القطاع على شبكة معقدة من الموارد الصناعية واللوجستية.
سلط التقرير الضوء على عدد من المدخلات الصناعية الإستراتيجية، أبرزها النحاس، وحمض الكبريتيك، والهيليوم، باعتبارها مكونات محورية في تصنيع أشباه الموصلات، والبطاريات، ومراكز البيانات، وشبكات الكهرباء، والمعدات التقنية التي تشكل العمود الفقري لمنظومة الذكاء الاصطناعي.
وقبل اندلاع النزاع الإيراني، كان نحو ثلث إمدادات الهيليوم العالمية يعبر «مضيق هرمز»، فيما كان ما يقارب نصف تجارة الكبريت المنقولة بحراً يمر عبر الممر البحري ذاته.
ويؤدي الهيليوم دوراً أساسياً في عمليات تصنيع الرقائق الإلكترونية، بينما يشكل الكبريت المادة الأولية لإنتاج حمض الكبريتيك المستخدم في تكرير النحاس وتصنيع المغناطيسات وتطوير البنية التحتية الكهربائية.
أشار التقرير، الذي يقيم درجة تعرض الاقتصادات الآسيوية لاضطرابات «مضيق هرمز»، إلى أن كوريا الجنوبية تمثل إحدى أكثر الدول حساسية لهذه المخاطر، نظراً لهيمنتها على إنتاج رقائق الذاكرة المتقدمة التي تشكل قاعدة رئيسية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ووفقاً لبيانات وكالة «إنفست كوريا» (Invest Korea)، تستحوذ كوريا الجنوبية على أكثر من 60 بالمئة من سوق رقائق الذاكرة العالمية، ما يجعل أي اختلال في تدفق المواد الأولية ينعكس بصورة مباشرة على سلاسل القيمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
ويرى التقرير أن أهمية «مضيق هرمز» لم تعد تقتصر على كونه أهم ممر عالمي لتجارة النفط والغاز الطبيعي المسال، بل أصبح يمثل محوراً لوجستياً رئيسياً لتدفق المواد الصناعية التي تعتمد عليها الصناعات المتقدمة حول العالم.
وفي هذا الإطار، وصفت ماغسامن الكبريت بأنه «الخطر الصامت» في أزمة «هرمز»، موضحة أن حمض الكبريتيك يمثل عنصراً لا غنى عنه في تكرير النحاس المستخدم في شبكات الكهرباء، ومراكز البيانات، والمركبات الكهربائية.
وأضافت أن تداعيات الأزمة تتجاوز أسواق الطاقة التقليدية، قائلة إن «الأمر لا يتعلق بالنفط وحده، بل بمدخلات الإنتاج التي تقوم عليها الاقتصادات الكبرى. إنها صدمة في سلاسل الإمداد الصناعية ستتجلى آثارها تدريجياً عبر قطاعات اقتصادية متعددة».
سجلت أسعار الكبريت ارتفاعاً خلال الحرب الإيرانية نتيجة تعطل الصادرات القطرية، وهو ما أدى إلى تشديد المعروض العالمي. ورغم تراجع الأسعار مع استئناف حركة الشحن عبر «مضيق هرمز»، فإنها لا تزال تتداول فوق مستويات ما قبل الأزمة، مدفوعة باستمرار المخاوف المتعلقة بالإمدادات إلى جانب قوة الطلب العالمي على الأسمدة.
ولا يتوقع التقرير أن يؤدي ذلك إلى نقص مباشر في رقائق الذكاء الاصطناعي، إلا أنه يحذر من أن استمرار ارتفاع تكاليف المدخلات قد يعيد توجيه التدفقات الاستثمارية داخل القطاع.
وأوضحت ماغسامن أنها تراقب مدى انعكاس «ارتفاع أسعار المدخلات والضغوط التضخمية» على قرارات الإنفاق الرأسمالي، ولا سيما لدى شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وأضافت أن التحدي الأكبر يتمثل في «تكلفة الفرصة البديلة»، حيث ستجد الشركات نفسها أمام مفاضلة بين توظيف رؤوس الأموال لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد أو تخصيصها للتوسع في قدرات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب التقرير، قد تضطر الشركات إلى زيادة الإنفاق على تكوين المخزونات الإستراتيجية، وتنويع مصادر التوريد، وإعادة هيكلة شبكات الإمداد، على حساب الاستثمارات الموجهة إلى إنشاء مراكز بيانات جديدة أو توسيع الطاقة الإنتاجية لأشباه الموصلات والبنية التحتية الحاسوبية.
رجح التقرير أن تتحمل الاقتصادات الآسيوية النصيب الأكبر من هذه التداعيات، نظراً لتمركز الصناعات التكنولوجية المتقدمة فيها واعتمادها المكثف على تدفقات المواد الأولية.
وأشار إلى أن العديد من الشركات تمكنت في المراحل الأولى من الأزمة من احتواء الصدمة عبر الاعتماد على المخزونات التي راكمتها بعد جائحة كورونا، إلا أن استمرار الاضطرابات أدى إلى تآكل تلك الاحتياطيات تدريجياً.
ويعزز ذلك ما أشار إليه كورت كامبل، رئيس مجلس الإدارة والمؤسس المشارك لشركة «ذا آسيا غروب» ونائب وزير الخارجية الأميركي السابق، إذ قال إن عدداً كبيراً من الشركات الآسيوية استنفد بالفعل مخزوناته في قطاعات مختلفة، ولم يعد يمتلك «أي هامش تشغيلي إضافي» يسمح بامتصاص صدمات جديدة في سلاسل الإمداد.
ويرجح التقرير أن هذه التطورات قد تحد من قدرة شركات الذكاء الاصطناعي على تمويل إنشاء مراكز بيانات جديدة، أو توسيع الطاقة الإنتاجية لأشباه الموصلات، أو الاستثمار في البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لمواكبة النمو المتسارع للقطاع.
واختتمت ماغسامن بالتأكيد على أن تأثير أزمة «هرمز» على اقتصاد الذكاء الاصطناعي لن يظهر بصورة فورية، بل سيتبلور تدريجياً من خلال إعادة توزيع رؤوس الأموال وأولويات الاستثمار، مشيرة إلى أن القطاع يعتمد في الوقت نفسه على وفرة التمويل وتدفق المكونات الصناعية، وهما عنصران أثبتت الأزمة الأخيرة أنهما أكثر هشاشة مما كان يُعتقد سابقاً.