
ليست موجة الحر وحدها ما يطفئ الأنوار في المنطقة، ففي دول عربية عدة، تكشف درجات الحرارة المرتفعة أزمات كهرباء تراكمت على مدى سنوات.
وبين نقص الاستثمار، والديون، وتقادم البنية التحتية، وتأخر الإصلاحات، يبدو أن الصيف لم يخلق المشكلة... بل كشف حجمها.
تشهد تونس أزمة كهرباء متفاقمة مع استمرار موجة الحر، حيث وصلت ساعات انقطاع التيار في بعض المناطق إلى نحو 18 ساعة يومياً، ما دفع مواطنين إلى الاحتجاج على تدهور الخدمة.
وتواجه الحكومة التونسية تحدياً يتمثل في تنفيذ إصلاحات سريعة في قطاع الطاقة، وسط تحذيرات من أن الأزمة قد تمتد إلى الأشهر المقبلة إذا لم تُعالج أسبابها الهيكلية.
ولا تعود الأزمة إلى ارتفاع درجات الحرارة فقط، إذ تعاني الشركة التونسية للكهرباء والغاز من ديون تُقدر بما يعادل 2.5 مليار دولار، إلى جانب تراجع الاستثمار في البنية التحتية، واستمرار سرقة الكهرباء، وارتفاع كلفة التوظيفات التي تمت بعد عام 2011، وهي عوامل حدّت من تطوير الشبكات ووحدات الإنتاج.
ويرى الاتحاد العام التونسي للشغل أن ما تعيشه البلاد ليس أزمة مناخية فحسب، بل نتيجة سنوات من تأجيل الإصلاحات والقرارات في قطاع الطاقة.
وتشمل الحلول المطروحة تشجيع استخدام العدادات الذكية، وإلغاء الرسوم الجمركية والضرائب التي تصل إلى 54% على الألواح الشمسية، إضافة إلى تسديد مؤسسات الدولة مستحقاتها للشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG).
في المقابل، يرى بعض المحللين أن هذه الإجراءات قد لا تكون كافية، وأن تونس قد تضطر في نهاية المطاف إلى البحث عن برنامج تمويل جديد مع صندوق النقد الدولي.
في العراق، الذي تُلامس درجات الحرارة فيه صيفاً 50 درجة مئوية ويُعد من أكبر منتجي النفط في العالم، لا يزال التقنين الكهربائي يمثل أحد أبرز أسباب الاحتجاجات الشعبية. وتبلغ حاجة البلاد نحو 60 ألف ميغاواط، بينما لا يتجاوز الإنتاج الفعلي 22 ألف ميغاواط.
أما في لبنان، فما زال شبح الانقطاع الشامل للكهرباء الذي شهدته البلاد في أغسطس 2024 حاضراً، رغم إنفاق ما لا يقل عن 30 مليار دولار على قطاع الكهرباء خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، وهو ما دفع إلى تصاعد الدعوات لإشراك القطاع الخاص في إدارة هذا الملف.
وفي سوريا، تسير الجهود في مسارين متوازيين.. الأول تقوده الحكومة عبر توقيع تفاهمات واتفاقيات في قطاع الطاقة مع تركيا، والحصول على منحة بقيمة 146 مليون دولار، إلى جانب مذكرات تعاون مع أذربيجان والأردن بهدف تحسين واقع الكهرباء.
أما المسار الثاني فيتمثل في محاولات المواطنين التكيف مع ارتفاع فواتير الكهرباء وتكاليف الحصول على الطاقة.
وتكشف موجات الحر التي تشهدها المنطقة عن مشكلات تراكمت في قطاعات الكهرباء على مدى سنوات، ما يجعل ارتفاع درجات الحرارة عاملاً يُظهر هشاشة البنية التحتية أكثر من كونه السبب الوحيد للأزمة.