
تشهد منصّات تداول العملات المشفّرة، مثل «كوين بايس» العالمية و«جيمِناي»، تراجعاً حاداً في أحجام التداول، ما أدى إلى انخفاض أسعار أسهمها بنسبة تراوحت بين 40% و50% خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
يأتي ذلك في وقت انخفضت فيه عملة بيتكوين بأكثر من 35% منذ انهيار شهر اكتوبر بعد بلوغها مستويات قياسية بحسب «بلومبيرغ»، وذلك وسط اضطرابات واسعة في الأسواق المالية وتحول المستثمرين بعيداً عن الأصول عالية المخاطر.
ورغم أن هذا التراجع لا يصاحبه إفلاس لمنصّات أو فضائح مدوّية أو حملات تنظيمية صارمة، فإن الضرر الذي لحق بكبرى منصّات التداول بات يبدو مألوفاً ومقلقاً.
تكمن نقطة الضعف الأساسية في اعتماد معظم منصّات التداول على رسوم العمليات بوصفها المصدر الأكبر للإيرادات. ومع تراجع النشاط التداولي، تنخفض الأرباح تلقائياً.
يتوقع محللون أن تكون أحجام التداول لدى منصة «كوين بايس» خلال الربع الرابع قد انخفضت بنحو 40% مقارنة بالعام السابق. كما أظهرت بيانات شهر يناير استمرار هذا التراجع، ما يعني أن وتيرة الأداء الحالية تقل عن نصف مستويات العام الماضي.
هذا الواقع يبعث برسالة غير مريحة للمستثمرين الذين يتعاملون مع أسهم شركات العملات المشفّرة على أنها مؤشر لنمو هذا القطاع، إذ إن أي انخفاض محدود في الأسعار قد يتحول إلى خسائر كبيرة في الإيرادات عندما يبتعد المتداولون عن السوق.
يختلف هذا التراجع عن الدورات السابقة من حيث السلوك لا النتيجة؛ ففي الانهيار السابق، جاء الهبوط بعد انفجار فقاعة الطروحات الأولية. أما اليوم، فلا توجد صدمة واضحة، بل حالة من انطفاء الحماس بعد خسائر مؤلمة بحسب «بلومبيرغ».
يرى محللون أن المتداولين لا يفرّون بدافع الخوف، بل ينسحبون بهدوء وينتظرون، خصوصاً في ظل تعثر القوانين الأميركية المنظمة لسوق العملات المشفّرة وبقاء الغموض التشريعي. وقد دفع هذا السلوك بعض الخبراء إلى وصف المرحلة الحالية بأنها سوق هابطة وليست شتاءً كاملًا للعملات المشفّرة.
خففت بعض المنصّات الكبرى من وطأة التراجع عبر تنويع أنشطتها لتشمل حفظ الأصول الرقمية وأسواق التنبؤ وتداول الأسهم، إلا أن هذا التنويع لا يكفي لتعويض التراجع الحاد في إيرادات الرسوم.
وفي الوقت ذاته، يتجه بعض المتداولين إلى المنصّات اللامركزية، بينما يتحول اهتمام المتداولين الأفراد إلى مجالات أخرى مثل رموز الذكاء الاصطناعي وأسواق التوقعات والذهب والمراهنات الرياضية وأسهم الشركات التقنية الصغيرة.
وعلى عكس الفترات السابقة التي انتهت بموجة جديدة من الابتكار، قد يكون مفتاح الخروج من هذا التباطؤ تشريعياً. إذ من المقرر أن تجتمع صناعتا العملات المشفّرة والمصارف مع الإدارة الأميركية لبحث تنظيم هيكل السوق. وحتى ذلك الحين، تتعلّم منصّات التداول حقيقة قاسية: حتى من دون أزمة، يمكن للسوق أن يتوقف، ونموذج الرسوم هو أول من يتألم.