ليزلي جون لـ«إرم بزنس»: كل 10 دولارات زيادة للنفط ترفع التضخم 0.3%

بين ارتفاع أسعار الطاقة وتصاعد المخاوف من تباطؤ الاقتصاد، يجد الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نفسه اليوم أمام معضلة معقدة لم تكن مطروحة قبل أشهر قليلة: هل يركز على كبح التضخم، أم يدعم النمو؟
قبل اندلاع حرب إيران، كانت التوقعات تشير إلى مسار واضح نحو خفض أسعار الفائدة خلال 2026، مدفوعة بتراجع تدريجي في التضخم، لكن مع القفزة الحادة في أسعار النفط، تغيّر المشهد بالكامل، وأصبح «الفيدرالي» مضطراً لإعادة حساباته من الصفر.
مع بداية العام، كان التضخم في الولايات المتحدة يسير في اتجاه هبوطي، ما فتح الباب أمام خفض متوقع للفائدة مرتين أو ثلاث مرات خلال 2026، لكن بعد التصعيد في الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، ما انعكس مباشرة على توقعات التضخم.
في هذا السياق، أوضح أرون ليزلي جون، كبير الاقتصاديين في شركة «سنتشري فاينانشال» لـ«إرم بزنس»، أن الفيدرالي رفع توقعاته لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) إلى 2.7% مقارنة بـ2.4% سابقاً، في إشارة واضحة إلى عودة الضغوط التضخمية.
وأضاف جون أن هذا التحول دفع البنك المركزي إلى إعطاء أولوية أكبر للتضخم على حساب النمو، في المرحلة الحالية.
أكد أيضاً العلاقة بين أسعار النفط والتضخم في الولايات المتحدة أصبحت اليوم أكثر حساسية، خصوصاً مع القفزات الأخيرة في الأسواق.
كما أشار أرون ليزلي جون إلى أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر خام برنت ترفع التضخم الأميركي بما يتراوح بين 0.15% و0.3%، لافتاً إلى أن ارتفاع الأسعار بنحو 40 إلى 50 دولاراً قد يدفع التضخم للارتفاع بما يصل إلى 1%.
هذه الزيادة، وإن بدت محدودة رقمياً، إلا أنها كافية لتغيير مسار السياسة النقدية بالكامل.
في ضوء هذه التطورات، لم يعد خفض أسعار الفائدة السيناريو المرجح كما كان في بداية العام، إذ أكد ليزلي جون أن خيار التيسير النقدي أصبح مستبعداً في المدى القريب، مشيراً إلى أن استمرار ارتفاع التضخم قد يدفع «الفيدرالي» حتى إلى إعادة النظر في رفع الفائدة مجدداً، إذا بقيت سوق العمل مستقرة والنشاط الاقتصادي متماسكاً.
بمعنى آخر، لم يعد «الفيدرالي» يناقش متى يخفض الفائدة بل ما إذا كان سيضطر لرفعها.
ولأن تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة لا تنعكس بالتساوي على الاقتصاد الأميركي، بل تظهر بشكل متفاوت بين فئات المجتمع، لفت جون في حديثه لـ«إرم بزنس» إلى أن الفئات ذات الدخل المحدود ستكون الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار البنزين، ما قد يؤدي إلى تقليص الإنفاق الشهري، خفض الاستهلاك، وحتى تقليص خطط السفر.
في المقابل، تبقى الطبقة المتوسطة والعليا أكثر قدرة على امتصاص هذه الصدمة، ما يجعل التأثير الكلي على الاقتصاد أقل حدة، لكنه لا يخلو من تباطؤ.
أضاف كبير الاقتصاديين في شركة «سنتشري فاينانشال» أن القطاعات الأكثر حساسية لارتفاع الطاقة تبقى الصناعة والنقل، حيث ترتفع تكاليف التشغيل بشكل مباشر مع ارتفاع أسعار الوقود.
وأوضح أنه في المقابل، يتمتع الاقتصاد الأميركي بميزة نسبية مقارنة باقتصادات أخرى، كونه منتجاً رئيسياً للنفط بنحو 13.8 مليون برميل يومياً، ما يخفف جزئياً من تأثير الصدمة على المستوى الكلي، وأن هذا التوازن يجعل التأثير على الاقتصاد محدوداً نسبياً، رغم الضغوط الواضحة على المستهلك.
اعتبر جون أنه في حال استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة لفترة أطول، تبرز مخاطر أكبر أمام الفيدرالي، وأن الخطر الأكبر لا يكمن في إبقاء الفائدة مرتفعة، بل في خفضها مبكراً، ما قد يؤدي إلى تغذية التضخم بشكل أكبر في الاقتصاد الأميركي.
وأكمل: «في عالم مترابط، فإن تباطؤ اقتصادات كبرى مثل أوروبا واليابان قد ينتقل جزئياً إلى الولايات المتحدة، ما يزيد من تعقيد المشهد».
جون لفت أيضاً إلى أنه ورغم التحديات، قد يخرج الدولار الأميركي مستفيداً نسبياً من الأزمة الحالية، فالولايات المتحدة، بخلاف أوروبا واليابان، تتمتع بدرجة أعلى من الاكتفاء في الطاقة، إلى جانب توقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة، ما يدعم جاذبية العملة الأميركية في المدى القريب.
بالمقابل أكد: «في النهاية، لا يواجه الفيدرالي خياراً سهلاً. فكل قرار يحمل تكلفة: رفع الفائدة، يضغط على النمو وخفضها، يغذي التضخم. وبين هذين الخيارين، يبقى العامل الحاسم هو مسار الحرب وأسعار الطاقة في الأشهر المقبلة».
وختم: «حتى الآن، يبدو أن (الفيدرالي) اختار المعركة الأولى: محاربة التضخم ولو كان ذلك على حساب النمو».