
حوّل الأردن برنامج منح الجنسية والإقامة للمستثمرين من مجرد امتياز إداري إلى أداة تنموية واستثمارية استراتيجية ترتبط مباشرة بالإنتاج والتشغيل والمردود الاقتصادي المستدام، لتصبح الجنسية بمثابة عقد يربط الدولة بالمستثمر على أسس من الثقة والحوكمة.
يعكس هذا القرار رؤية وطنية طموحة تهدف إلى جذب الأموال النوعية طويلة الأجل وتعميق سوق رأس المال المحلي وضمان أن تسهم التدفقات الاستثمارية في خلق وظائف ودعم النمو الاقتصادي، بعيداً عن المضاربات قصيرة الأجل التي لا تضيف قيمة حقيقية.
تأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه المملكة تصاعداً في حجم التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة، إذ بلغت نحو 1.637 مليار دولار عام 2024، ما يعادل 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما سجل الربع الأول من عام 2025 تدفقات بلغت 339 مليون دولار بزيادة نسبتها 14.3% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة والبنك المركزي الأردني.
كان مجلس الوزراء الأردني قد أقر في 2 يوليو 2025 أسساً جديدة لمنح الجنسية أو الإقامة عبر الاستثمار، استناداً إلى توصيات اللجنة الخاصة بالمستثمرين.
وتشترط هذه الأسس أن يقوم المستثمر بشراء أسهم جديدة بقيمة لا تقل عن مليون دينار في شركات أردنية خلال أربعة أشهر من موافقة وزارة الاستثمار، مع الالتزام بعدم التصرف بها لمدة ثلاث سنوات، وألا تتجاوز نسبة الاستثمار في شركة واحدة 20% من إجمالي المحفظة.
كما تتيح منح الجنسية لمن ينشئ مشروعاً إنتاجياً جديداً برأسمال مدفوع لا يقل عن 700 ألف دينار في العاصمة أو 500 ألف في المحافظات، شريطة توفير 20 فرصة عمل في عمّان أو 10 فرص في المحافظات، وفق كشوفات الضمان الاجتماعي.
ويُمنح المستثمر في هذه الحالة جواز سفر أردني مؤقت لمدة ثلاث سنوات، ثم تُراجع حالته قبل منحه الجنسية الدائمة بعد التأكد من التزامه.
وتشمل الشروط أيضاً إمكانية منح الجنسية لمن يشتري حصصاً جديدة بقيمة مليون دينار في مشاريع قائمة، على أن تبلغ الموجودات الثابتة للمشروع نصف مليون دينار على الأقل، وأن يوفر 20 فرصة عمل جديدة للأردنيين. أما في المشاريع القائمة، فحدد القرار أن تبلغ قيمة الأصول الثابتة 700 ألف دينار في العاصمة أو 350 ألف دينار في المحافظات، مع الالتزام بتوفير الوظائف المحددة بنسبة لا تقل عن 90% شهرياً.
كما أقرّت الحكومة منح الجنسية للمستثمرين في قطاعات استراتيجية كالأدوية والخدمات اللوجستية إذا تجاوز حجم الاستثمار 3 ملايين دينار، أو في حال تشغيل 150 عاملًا أردنيًا في العاصمة أو 100 في المحافظات لمدة عام على الأقل.
وبحسب القرار، حُدد عدد المستفيدين من البرنامج بـ 500 مستثمر سنوياً كحد أقصى، مع إمكانية سحب الجنسية أو الإقامة في حال الإخلال بأي شرط.
أكد رئيس مجلس مفوضي هيئة الأوراق المالية عماد أبو حلتم أن التوجه نحو منح الجنسية الأردنية للمستثمرين الذين يستثمرون في بورصة عمّان يمثل خطوة استراتيجية محورية لتعزيز بيئة الاستثمار وجذب رؤوس الأموال طويلة الأجل.
وأضاف أبو حلتم في تصريحات خاصة لـ«إرم بزنس» أن الفكرة لا ترتكز على بيع الجنسية كما يظن البعض، بل تحويلها إلى أداة تحفيزية مدروسة لدعم الاقتصاد الحقيقي ورفع مستوى الثقة بالبورصة الأردنية كمكون أساسي في المنظومة المالية الوطنية.
وأوضح أبو حلتم أن المقترح يقوم على ربط الجنسية بالاستثمار الفعلي في السوق المالي، بحيث تكون الاستثمارات موزعة على عدد من الشركات المدرجة ومتنوعة القطاعات الاقتصادية.
وأكد أن الاحتفاظ بهذه الاستثمارات لعدة سنوات يضمن استدامة التدفقات النقدية، ويحوّل الأموال الداخلة إلى السوق من مجرد أموال قصيرة الأجل أو مضاربية إلى أدوات حقيقية لتنشيط التداولات وتعميق السوق المالي الأردني، ما يسهم في تعزيز كفاءة السوق وزيادة حجم المعاملات المالية اليومية.
وأشار أبو حلتم إلى أن التنويع بين القطاعات المختلفة يحمي السوق من التقلبات ويرسّخ قاعدة استثمارية قوية.
وقال إن الاستثمار في القطاعات المتعددة يضمن توزيع المخاطر ويحفّز الاستثمارات النوعية، بما يعزز من القدرة على استيعاب السيولة المحلية والدولية بطريقة مستدامة، ما يخلق بيئة مستقرة للمستثمرين ويزيد جاذبية السوق الأردني على المستوى الإقليمي والدولي.
وبيّن أبو حلتم أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية شمولية لتحفيز الاستثمار في أدوات السوق المالي ورفع كفاءة بورصة عمّان كأداة تمويلية للاقتصاد الوطني.
وأكد أن البورصة تمتلك مقومات تجعلها وجهة آمنة وجاذبة للمستثمرين العرب والأجانب، بفضل الاستقرار التشريعي وشفافية الإفصاح المالي وتطور أدوات الرقابة والإفصاح الإلكتروني خلال السنوات الأخيرة، ما يقلل من المخاطر المحتملة ويعزز الثقة بالسوق.
أضاف أبو حلتم أن الهيئة تعمل مع رئاسة الوزراء ووزارة الاستثمار لوضع ضوابط واضحة لضمان التوازن بين جاذبية الحوافز وحماية السوق من المضاربات قصيرة الأجل، مؤكداً أن الهدف النهائي هو جذب رؤوس أموال حقيقية تسهم في الإنتاج والتشغيل، لا مجرد التداول السريع.
وأشار أبو حلتم إلى أن بعض الدول تمنح الإقامة أو الجنسية للمستثمرين دون اشتراط بقاء الاستثمارات لفترات طويلة، ما يجعل الأموال سريعة الحركة وقصيرة الأمد، بينما يسعى النموذج الأردني لترسيخ استثمار مستدام يحافظ على تدفق السيولة ويعزز الثقة بالاقتصاد الوطني.
من جانبه، قال أستاذ المالية في جامعة آل البيت عمر الغرايبة إن القرار الحكومي الأخير يشكّل نقطة تحوّل استراتيجية في مسار جذب الاستثمار إلى الأردن، موضحاً أن القرار يتجاوز منطق الامتيازات الشكلية نحو بناء علاقة جديدة بين الدولة والمستثمر قائمة على الثقة والحوكمة والمردود الوطني المستدام.
وأضاف الغرايبة لـ«إرم بزنس» أن الهدف ليس بيع الجنسية، بل تحويلها إلى أداة تنموية مشروطة بالإنتاج والتشغيل، تسهم في بناء منظومة اقتصادية قادرة على توليد القيمة داخليًا، ضمن ضوابط مالية دقيقة تشمل الودائع والسندات والمشاريع التشغيلية.
وبيّن أن تحديد سقف سنوي لا يتجاوز 500 مستثمر يعكس مبدأ «الجودة قبل الكثرة»، مؤكداً أن الجنسية تُمنح ضمن ضوابط سيادية واضحة، ما يعزز الثقة ويمنح البيئة الاستثمارية مصداقية دولية.
واقترح الغرايبة إنشاء الهيئة الوطنية لاستثمار المواهب ورأس المال كجهة مستقلة بإشراف رئاسة الوزراء لتتولى التنسيق والإشراف على الملف، إلى جانب إطلاق منصة رقمية لتتبع أداء المستثمرين وتصنيفهم وفق الأولويات الوطنية.
وأكد الغرايبة أن ربط الجنسية بالاستثمار الإنتاجي سيسهم في دعم رؤية التحديث الاقتصادي 2033 ومشاريع البنية التحتية الكبرى، ويحوّل الأردن إلى مركز استثماري إقليمي مستقر في محيط مضطرب، موضحاً أن تحويل معادلة «الجنسية مقابل الاستثمار» إلى مشروع وطني تنموي متكامل يمثل أحد أبرز ملامح نضج التجربة الاقتصادية الأردنية.