
مع استمرار الحرب الإيرانية وتراجع إيرادات النفط التي تمثل نحو 90% من موازنة العراق، تتزايد الضغوط المالية على بغداد وسط مخاوف من اتساع العجز ونقص السيولة، ومن ثم عاد التمويل الدولي إلى الواجهة بعد حديث عن مشاورات مع صندوق النقد الدولي لتفادي أزمة مالية أعمق.
في حديث لـ«إرم بزنس»، أقر مصدر حكومي عراقي، فضّل عدم ذكر اسمه، بأن بلاده تجري مشاورات فنية مكثفة مع «صندوق النقد الدولي» في ضوء توترات المنطقة، موضحاً أنها لم تقدم طلباً للاقتراض من صندوق النقد.
بينما أكد مستشار رئيس الوزراء العراقي للسياسات المالية لـ«إرم بزنس» أن بغداد «تأمل أن تنتهي هذه الحرب من دون الحاجة إلى أي برنامج مالي مع الصندوق، أما إذا استمرت الحرب لفترات طويلة وتعمقت تداعياتها، فلكل حادث حديث».
يشير خبير نفطي، في حديث لـ«إرم بزنس»، إلى أن «اللجوء للتمويل الدولي سيكون خياراً اضطرارياً مؤقتاً لا سياسة دائمة»، متوقعاً أن يدعم الصندوق الحكومة بتمويل بين 5–10 مليارات دولار مبدئياً، ومعه يفتح الباب لقروض البنك الدولي، وتمويلات دولية، وضمانات ائتمانية، لافتاً إلى فقدان إيراد نفطي قد يقترب من 5–7 مليارات دولار شهرياً.
الخميس، نقلت «رويترز» عن مصدر وصفته بأنه «مقرّب» من صندوق النقد، قوله إن «محادثات أولية جرت الشهر الماضي خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، وأن المناقشات مستمرة بخصوص حجم التمويل الذي يريده العراق وكيفية هيكلة أي قرض».
غير أن مصدراً حكومياً عراقياً تحفّظ على كشف هويته لـ«إرم بزنس»، قال إنه «ليس هناك طلب قدم بشأن مساعدة مالية إطلاقاً، وكل ما في الأمر كثافة في المشاورات الفنية بين الأطراف المعنية في السلطات الاتحادية وصندوق النقد في ضوء التوترات التي تشهدها المنطقة ليس أكثر وأي قرار يجب أن تتخذه مسبقاً السلطات الجديدة بالبلاد وهذا لم يحدث بعد».
في 16 مايو الجاري، قال وزير النفط العراقي الجديد باسم محمد، في مؤتمر صحفي، إن بلاده صدرت 10 ملايين برميل من النفط في أبريل عبر مضيق هرمز، بانخفاض كبير عن 93 مليون برميل شهرياً قبل حرب إيران، بحسب ما نقلته «رويترز».
كان العراق العضو في منظمة «أوبك» والذي توفر مبيعات النفط أكثر من 90% من إيراداته، ويعتمد على النقل البحري في 80% من تبادله التجاري، يصدر ما معدله 3.5 مليون برميل يومياً قبل الحرب في 28 فبراير.
مع غلق «مضيق هرمز» في أوائل مارس الماضي، سجل إنتاج النفط العراقي انخفاضاً بنحو 80% ليصل إلى نحو 800 ألف برميل يومياً، بحسب ما نقلته «رويترز» عن مصادر في 25 مارس الماضي، مشيرة إلى أنه وصل حالياً إلى 1.4 مليون برميل يومياً.
قال المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، في حديث لـ«إرم بزنس»، إن العراق بلد كبير، ولا يوجد أي جمود في علاقاته مع صندوق النقد الدولي، التي تُعد من أفضل العلاقات منذ عام 2003، لا سيما أن التعاون مستمر ويتخذ أشكالاً متعددة، فيما تفرض التحديات الإقليمية الأخيرة مزيداً من التشاور والتنسيق.
وأضاف أنه «ربما يحتاج العراق إلى الصندوق، خاصة أننا أعضاء مؤسسون فيه، ونتعاون معه على الأقل في المسائل الفنية، وليس بالضرورة التوجه حالياً إلى طلب مساعدة مالية، وإنما الحصول على دعم فني في بعض الإصلاحات، ودعم الموازنة بموارد أخرى».
وعن ما يُثار بشأن محادثات جديدة مع صندوق النقد، قال: «من الطبيعي أن تُجرى محادثات خلال المشاورات الربيعية في واشنطن، لا سيما في ظل توترات المنطقة واحتمال إطالة غلق مضيق هرمز ، وبالتأكيد فإن العلاقات والتفاهمات والمشاورات أصبحت أوسع خلال هذه الفترة».
مظهر محمد صالح أضاف أن «اللجوء مستقبلاً إلى قرض من الصندوق يحتاج إلى موافقات من السلطات، لكن نأمل أن تنتهي هذه الحرب من دون الحاجة إلى أي برنامج مالي مع الصندوق، أما إذا استمرت الحرب لفترات طويلة وتعمقت تداعياتها، فلكل حادث حديث».
من جانبه، يرى المتحدث السابق باسم وزارة النفط العراقية، والخبير النفطي عاصم جهاد لـ«إرم بزنس»، أن ملف العجز المالي من أكبر التحديات أمام الحكومة الجديدة مع تعطل أو تراجع إيرادات النفط الرئيسية بالبلاد، خاصة وهو يفتح الباب لتداعيات اقتصادية ثقيلة تبدأ بالضغط على قدرة الدولة في الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، من الرواتب والرعاية الاجتماعية والخدمات، ولا تنتهي عند تباطؤ المشاريع الاستثمارية، واضطراب الأسواق، وارتفاع مستويات القلق المعيشي».
وفي ظل استمرار الأزمة، يرى جهاد أن «العراق قد يجد نفسه أمام خيارات صعبة، في مقدمتها اللجوء إلى الاقتراض الخارجي أو الداخلي كحل إسعافي لتأمين السيولة، وهو خيار يحمل بدوره أثماناً».
يعتقد أن «التواصل العراقي مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذا تأكد رسمياً، لا يعني بالضرورة إفلاساً مالياً، لكنه مؤشر خطير على أن أزمة الإيرادات الناتجة عن توقف أو تراجع الصادرات النفطية بدأت تتحول من أزمة سيولة إلى أزمة تمويل»، محذراً من أن الاقتراض أشبه بجهاز تنفّس مالي، لكنه لا يعالج المرض إذا استمرت الحرب.
إيجابية هذا المسار مع صندوق النقد تتمثل في منح العراق تمويلاً منظماً وبكلفة أقل من الاقتراض التجاري، ويعزز ثقة الأسواق إذا ارتبط ببرنامج إصلاح واضح، لكن سلبياته كبيرة إذا تحول إلى بديل عن الإصلاح، مع شروط قاسية، وضغط على الإنفاق العام، واحتمال تقليص مشاريع، وفق عاصم جهاد.
ويعتقد أن «اللجوء للتمويل الدولي يجب أن يكون خياراً اضطرارياً مؤقتاً، لا سياسة دائمة»، متوقعاً أن صندوق النقد غالباً لن يغطي كل الفجوة وحده، وقد يكون دوره في التمويل بين 5–10 مليارات دولار مبدئياً، ومعه يفتح الباب لقروض البنك الدولي، وتمويلات دولية، وضمانات ائتمانية.