تحديات بعد انتهاء برنامج الصندوق أهمها استكمال الطروحات الحكومية
استقرار سعر الصرف وتراجع التضخم وتوفير الدولار أهم اختبارات القاهرة

بينما تترقب مصر انتهاء برنامجها التمويلي مع «صندوق النقد الدولي» بنهاية العام الحالي، وصرف آخر شريحتين تمويليتين ضمن البرنامج بقيمة 3.3 مليار دولار، بدأ الحديث في الأوساط الاقتصادية بالبلاد حول مستقبل العلاقة بين الطرفين بعد اكتمال البرنامج، ومدى احتياج القاهرة لبرنامج جديد مع الصندوق خلال المرحلة المقبلة.
وفي حين أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، مطلع يونيو الجاري، أن بلاده ليست بحاجة حالياً للحصول على قرض جديد من صندوق النقد بعد انتهاء البرنامج الحالي منتصف ديسمبر المقبل، رجّح بنك «ستاندرد تشارترد»، نهاية الأسبوع الماضي، احتمال قيام القاهرة بتوقيع برنامج جديد مع صندوق النقد بقيمة أقل من البرنامج الحالي.
وفي مارس 2024 أعلنت الحكومة المصرية التوصل إلى اتفاق مع «صندوق النقد الدولي» لزيادة قيمة برنامج التمويل الموقع بين الطرفين نهاية 2022 بقيمة 3 مليارات دولار، إلى 8 مليارات دولار، بخلاف تمويل إضافي بقيمة 1.2 مليار دولار ضمن صندوق المرونة والاستدامة التابع لصندوق النقد.
البرنامج الحالي، الذي تم تمديده لمواجهة التحديات الاقتصادية لمصر بعد حرب غزة، استهدف استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي لمصر، والقضاء على اختناقات سوق النقد الأجنبي، وخفض التضخم، وتحسين أوضاع المالية العامة، مع تسريع الإصلاحات الهيكلية لزيادة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد، وفق بيان سابق صادر عن صندوق النقد.
قال الخبير الاقتصادي محمد أنيس، إن بلاده لا تحتاج الحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي بعد انتهاء البرنامج الحالي في ظل التحسن الملحوظ الذي شهدته المؤشرات الاقتصادية الكلية خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح لـ«إرم بزنس» أن مفهوم الاحتياج إلى برنامج جديد مع صندوق النقد يرتبط بوجود اختلالات حادة في المؤشرات الاقتصادية الكلية وعدم قدرة الدولة على تمويل إصلاحاتها الاقتصادية، وهو ما لا ينطبق على الوضع الحالي للاقتصاد المصري.
ورأى أن بلاده تتمتع حالياً بوفرة نسبية في السيولة الدولارية، إلى جانب تحسن عدد من المؤشرات الرئيسية المرتبطة بالتضخم والعجز الكلي واستقرار سوق الصرف، وهو ما لا يشير إلى وجود حاجة لتمويل خارجي جديد.
واتفق معه أستاذ التمويل والاستثمار مصطفى بدرة، الذي استبعد احتياج بلاده أيضاً إلى برنامج تمويلي جديد مع صندوق النقد الدولي عقب انتهاء البرنامج الحالي.
وأوضح لـ«إرم بزنس» أن المؤشرات الاقتصادية الراهنة لا تعكس وجود ضرورة للحصول على تمويل إضافي من الصندوق في الوقت الحالي، طالما استمرت الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية في مسارها الطبيعي.
ورأى أن الاستفادة من الخبرات الفنية والمؤسسية لـ«صندوق النقد الدولي» تظل أمراً مهماً ومستمراً بالنسبة لأي دولة، إلا أن الاحتياج إلى التمويل المباشر من الصندوق يبدو غير مطروح حالياً.
وأشار إلى أن المشهد الاقتصادي العالمي لا يزال محاطاً بدرجة من عدم اليقين، ما يجعل من الصعب تقديم توقعات قاطعة بشأن اللجوء للصندوق من عدمه حتى نهاية العام، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي تؤثر بشكل مباشر على معدلات التضخم وأسعار الفائدة وحركة الأسواق العالمية.
واعتبر بدرة أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة كان لها تأثير ملموس على الاقتصاد العالمي، موضحاً أن استمرار الصراعات الإقليمية قد يفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصادات الناشئة، بما فيها الاقتصاد المصري، وهو ما يستوجب متابعة مستمرة للمتغيرات الخارجية عند تقييم الاحتياجات التمويلية المستقبلية.
أشار أنيس إلى أن البرنامج الحالي بين مصر وصندوق النقد نجح في استعادة التوازن للاقتصاد الكلي، لكنه اعتبر أن هذا النجاح لم يكن نتاج اتفاق صندوق النقد وحده.
وفق أنيس، ساهمت حزمة متكاملة من الاتفاقات التي وقعتها الحكومة المصرية في مارس 2024 في هذا النجاح، في مقدمتها صفقة رأس الحكمة الضخمة الموقعة مع القابضة ADQ الإماراتية بقيمة 35 مليار دولار، والتي وفرت تدفقات دولارية مباشرة وخففت الضغوط التمويلية قصيرة الأجل، بجانب الاتفاقات التمويلية مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي.
وفي مارس 2024 أعلن «البنك الدولي» برنامجاً لدعم لمصر بقيمة 6 مليارات دولار على مدار 3 سنوات، يركز على تعزيز نمو القطاع الخاص، وخلق فرص العمل، وتحسين إدارة الاقتصاد، ودعم القدرة على مواجهة التغيرات المناخية.
وفي الشهر نفسه، وقعت مصر والاتحاد الأوروبي اتفاق «الشراكة الاستراتيجية والشاملة»، المدعوم بحزمة مالية تبلغ 7.4 مليار يورو للفترة 2024-2027، تشمل 5 مليارات يورو قروضاً ميسرة، و1.8 مليار يورو استثمارات إضافية، و600 مليون يورو منحاً.
ورأى أن هذه الاتفاقات مجتمعة أسهمت في إعادة الانضباط إلى الاقتصاد المصري، واستعادة السيولة الدولارية، والقضاء على تعدد أسعار الصرف، فضلاً عن تعزيز كفاءة السياسة النقدية ومرونتها.
وأشار إلى أن من أبرز النجاحات التي تحققت خلال السنوات الماضية تراجع معدلات التضخم بصورة كبيرة مقارنة بالمستويات القياسية التي تجاوزت 40% قبل عامين.
في المقابل، أشار أنيس إلى استمرار عدد من التحديات الهيكلية التي لم تُحسم بعد خلال فترة برنامج الصندوق، في مقدمتها عدم تطوير البيروقراطية الحكومية لتصبح أكثر دعماً للاستثمار وأقل تعقيداً أمام المستثمرين.
وقال إن السوق المصري لا يزال بحاجة إلى زيادة التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة الموجهة للقطاع الصناعي والتصديري، موضحاً أن حجم الاستثمارات الأجنبية الحالية لا يزال أقل من المستوى المطلوب لتحقيق طفرة حقيقية في الإنتاج والتصدير.
ورأى أن جزءاً كبيراً من التدفقات الاستثمارية الحالية يتركز في قطاعات الطاقة أو في توسعات لمشروعات قائمة، بينما تحتاج مصر إلى جذب استثمارات صناعية جديدة تستهدف الأسواق الخارجية.
واعتبر أن العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص لا تزال من الملفات التي تحتاج إلى المزيد من الانضباط والوضوح والتنظيم، خاصة فيما يتعلق بحجم الاستثمارات العامة ودورها في النشاط الاقتصادي.
إلى ذلك قال بدرة إن مصر ستواجه حزمة تحديات بعد انتهاء برنامج الصندوق، وفي مقدمتها الحفاظ على مسار الإصلاح الاقتصادي وعدم التراجع عن المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية.
ورأى بدرة أنه من الضروري استمرار تطبيق السياسات التي أسهمت في استقرار سوق الصرف في مصر، وعدم العودة إلى الممارسات التي تؤدي إلى تشوهات في سوق النقد الأجنبي، إلى جانب مواصلة تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية وتعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
وأكد أن توسيع مساحة مشاركة القطاع الخاص يعد أحد أهم متطلبات المرحلة المقبلة لدعم النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل، مشيراً إلى أن استمرار الإصلاحات الهيكلية سيعزز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات الخارجية.
كما أكد على أهمية مواصلة جهود خفض عجز الموازنة العامة للدولة من خلال زيادة الإيرادات وترشيد الإنفاق العام، معتبراً أن تحقيق الانضباط المالي يمثل أحد الركائز الأساسية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
واعتبر أن التحدي الحقيقي بعد انتهاء البرنامج لا يتمثل في غياب الرقابة الخارجية، وإنما في قدرة الدولة على الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية بنفس الوتيرة والالتزام.
وأضاف: «المطلوب بعد البرنامج هو استمرار تطبيق السياسات الإصلاحية وفق آليات واضحة تضمن الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال الفترة الماضية».
بدوره أشار أنيس إلى أن التحدي الرئيسي الذي سيواجه مصر بعد اكتمال برنامج الصندوق يتمثل في الحفاظ على المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها استقرار سوق الصرف، وتراجع معدلات التضخم، واستمرار توافر السيولة الدولارية.
وقال إن انتهاء البرنامج قد يرفع تكلفة التمويل الخارجي مقارنة بالفترة التي تكون فيها الدولة تحت مظلة صندوق النقد، وهو ما يستدعي الحذر في إدارة الإنفاق والاستثمارات العامة.
ورأى أن المسار الاقتصادي لمصر لن يتأثر بغياب الرقابة الدورية للصندوق ما دامت الحكومة تتجنب الأخطاء التي قادت إلى الاختلالات السابقة، وعلى رأسها التوسع في تنفيذ استثمارات عامة ممولة بالاقتراض، معتبراً أن هذا العامل كان السبب الرئيسي وراء الضغوط التي تعرض لها الاقتصاد قبل مارس 2024.