جاستن ألكسندر: دبي وأبوظبي أصبحتا مركزين عالميين لإدارة الأصول

لم تعد دبي مجرد محطة تستخدمها شركات إدارة الأصول العالمية للوصول إلى عملائها في الخليج، بل تتحول تدريجياً إلى مقر تُبنى منه العلاقات الاستثمارية وتُدار عبره الأموال داخل المنطقة.
وجاء افتتاح شركة «كارمينياك» الفرنسية أول مكتب فعلي لها في الشرق الأوسط داخل مركز دبي المالي العالمي ليعزز هذا التحول، لا سيما أن الشركة تدير أصولاً بقيمة 44 مليار يورو، وفقاً لبيانات «كارمينياك» بنهاية يونيو 2026.
وحصلت الشركة الفرنسية على ترخيص سلطة دبي للخدمات المالية لممارسة أنشطة مالية منظمة، وعيّنت كريستوف يونس رئيساً تنفيذياً لشركة «كارمينياك الشرق الأوسط» ورئيساً لعملياتها في المنطقة.
ومن المقرر أن يركز مكتب دبي، في مرحلته الأولى، على توزيع المنتجات الاستثمارية وبناء العلاقات مع المستثمرين المؤسسيين والبنوك الخاصة والمكاتب العائلية في الإمارات والمنطقة، وفقاً للبيان الصادر عن الشركة.
وهذا يعني أن الخطوة لا تمثل حتى الآن انتقالاً كاملاً لإدارة الأصول وقرارات الاستثمار، لكنها تؤسس لحضور طويل الأجل قد يتوسع لاحقاً ليشمل مزيداً من الأنشطة الاستثمارية.
يعكس دخول «كارمينياك» اتجاهاً أوسع بين مديري الأصول العالميين، إذ ارتفع عدد شركات إدارة الثروات والأصول العاملة في مركز دبي المالي العالمي إلى 592 شركة بنهاية النصف الأول من 2026، وفقاً لأحدث بيانات المركز.
ويضم مركز دبي المالي العالمي أكثر من 10 آلاف شركة نشطة، بينها 1,134 شركة خدمات مالية منظمة، فيما ارتفع عدد الكيانات المرتبطة بالثروات والشركات العائلية إلى 1,408 كيانات، بنمو سنوي بلغ 36%.
كما ارتفعت الأصول المُدارة داخل المركز إلى 176 مليار دولار خلال 2025، بنمو سنوي بلغ 4%، وفقاً للتقرير السنوي الصادر عن سلطة دبي للخدمات المالية.
وأظهرت البيانات ارتفاع الأصول الخاضعة للاستشارات بنسبة 22% إلى 220 مليار دولار، فيما نمت الأصول الخاضعة للاستشارات لدى البنوك الخاصة بنسبة 23% إلى 103.8 مليار دولار، مع قاعدة تضم أكثر من 14 ألف عميل.
وتشير هذه الأرقام إلى أن توسع القطاع لا يقتصر على زيادة أعداد التراخيص والمكاتب، بل يمتد إلى نمو الأموال التي تُدار أو تحصل على خدمات استشارية من داخل دبي.
وقال عضو المجلس الاستشاري لمعهد CISI في الإمارات وضاح الطه، لـ«إرم بزنس»، إن قطاع إدارة الثروات والمكاتب العائلية في دبي سجل نمواً واضحاً ومستمراً خلال السنوات القليلة الماضية، بدعم من التشريعات المرنة والبنية التحتية المالية والقانونية التي يوفرها مركز دبي المالي العالمي.
وأضاف أن استقلالية المنظومة القضائية داخل المركز، والرقابة التي تمارسها سلطة دبي للخدمات المالية، إلى جانب القوانين ذات الطابع الدولي، تمنح شركات إدارة الأصول والعائلات الثرية قدراً مرتفعاً من الثقة والاستقرار.
وأوضح الطه أن جاذبية دبي لا تقوم على الضرائب وحدها، بل على وجود منظومة متكاملة تضم البنوك الخاصة والمصارف التجارية وشركات الاستثمار والخدمات القانونية والاستشارية، فضلاً عن توافر الكفاءات المتخصصة وسهولة استقطاب المواهب من الخارج.
يرى الطه أن توسع شركات إدارة الأصول في الإمارات يرتبط أيضاً بتغير البيئة الاقتصادية والضريبية في بعض المراكز الأوروبية التقليدية.
وقال إن ارتفاع التضخم وتباطؤ النشاط الاقتصادي وتعديل القوانين وزيادة بعض الضرائب في أسواق مثل بريطانيا، أسهمت في دفع المستثمرين والعائلات الثرية للبحث عن مراكز أكثر استقراراً ومرونة.
وأضاف: «وجدت هذه الثروات في دبي والإمارات عموماً ملاذاً آمناً، بفضل انخفاض مخاطر الدولة والاستقرار والبنية التحتية المتطورة والبيئة الضريبية الجاذبة».
وتدير أكبر 120 عائلة تعمل من خلال مركز دبي المالي العالمي أكثر من 1.2 تريليون دولار من الأصول عالمياً، وفقاً لبيانات مركز دبي المالي العالمي.
كما توقّع تقرير «هينلي للثروات الخاصة» تسجيل الإمارات صافي تدفق يبلغ 9,800 مليونير خلال 2025، يحملون ثروات قابلة للاستثمار تقدر بنحو 63 مليار دولار، مقابل 7,500 مليونير متوقع انتقالهم إلى الولايات المتحدة. وتمثل هذه الأرقام تقديرات لحركة الثروات خلال العام وليست حصيلة نهائية للهجرة الفعلية.
ولفت الطه إلى ميزة إضافية تتمتع بها دبي، تتمثل في موقعها الزمني والجغرافي، الذي يسمح للشركات بالتعامل خلال ساعات عمل الأسواق الآسيوية والأوروبية، والوصول لاحقاً إلى جزء من جلسة الأسواق الأمريكية، ما يجعلها قاعدة مناسبة لإدارة الأعمال العابرة للقارات.
قال المحلل الاقتصادي والمتخصص في المخاطر السياسية واقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، ومدير مؤسسة «Khalij Economics»، ومحلل شؤون الخليج لدى شركة «GlobalSource Partners»، لـ«إرم بزنس»، جاستن ألكسندر، إن دبي تجذب مديري الأصول منذ سنوات بفضل ثلاثة عوامل رئيسة، هي بيئة الأعمال، والقرب من رؤوس الأموال، وتعدد الفرص الاستثمارية في المنطقة.
وأضاف أن الإطار القانوني والتنظيمي، والمنظومة المتكاملة داخل مركز دبي المالي العالمي، وتوافر الكفاءات البشرية المحلية والدولية، كلها عوامل تشجع المؤسسات العالمية على تأسيس حضور دائم في الإمارة.
وأكد ألكسندر وجود منافسة حقيقية بين المراكز المالية الخليجية، لكن دبي وأبوظبي والرياض تمكنت حتى الآن من تحقيق نمو قوي بالتوازي، نتيجة اختلاف تجمعات رأس المال والفرص المحلية التي يقدمها كل سوق.
وأوضح أن قرب مديري الأصول العالميين من صناديق الثروة والمستثمرين الخليجيين يمكن أن يؤثر فعلياً في قرارات توزيع الاستثمارات، لأن الوجود المحلي يتيح فهماً أفضل للاحتياجات وبناء علاقات مباشرة وطويلة الأجل.
وقال ألكسندر إن دبي وأبوظبي أصبحتا بالفعل مركزين عالميين لإدارة الأصول، استناداً إلى مؤشرات تشمل الأصول المسجلة محلياً وأعداد العاملين واتساع حضور المؤسسات الدولية.
وتوقع أن يؤدي تحسن الربط بين الإمارتين، ولا سيما مع تطوير شبكة السكك الحديدية، إلى عمل دبي وأبوظبي بصورة متزايدة كمركز مالي إماراتي متكامل، يجمع بين الثروات الخاصة والمنظومة المالية المتنوعة في دبي، ورؤوس الأموال السيادية والمؤسسية في أبوظبي.
ويبقى الاختبار الأهم لافتتاح مكتب «كارمينياك» وغيره من المكاتب الجديدة هو مدى انتقالها مستقبلاً من توزيع الصناديق وبناء العلاقات إلى تسجيل مزيد من الأصول محلياً، وتأسيس صناديق من داخل الإمارات، وتوظيف فرق استثمارية تتخذ قراراتها من المنطقة.