مطالب بعودة الشهادات مرتفعة العائد لتحجيم أكبر قدر من السيولة

دفعت الإجراءات الاستباقية التي اتخذتها الحكومة المصرية لمواجهة تداعيات حرب إيران، وما تبعها من ارتفاعات مؤثرة لأسعار الوقود والدولار وتكاليف النقل، إلى تعزيز التوقعات بتسارع وتيرة التضخم في البلاد خلال شهري مارس وأبريل.
وأثارت التطورات المتلاحقة في الأزمة الإيرانية وانعكاساتها المتزايدة على الاقتصاد المصري، بعض المحللين في البلاد لعدم استبعاد مفاجأة البنك المركزي المصري للأسواق برفع أسعار الفائدة، خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية الخميس المقبل، أو الاجتماع الذي يليه في 21 مايو، كإجراء استباقي تحسباً لموجة تضخمية محتملة.
وانتهج البنك المركزي المصري منذ أبريل من العام الماضي سياسة تيسير نقدي، أسفرت عن تراجع أسعار الفائدة بنحو 8.25% لتصل إلى 19% للإيداع و20% للإقراض، بالتزامن مع تباطؤ معدلات التضخم.
ومنذ اندلاع حرب إيران ارتفع سعر الدولار في مصر بأكثر من 13%، حيث تجاوز 54.6 جنيه خلال تعاملات أمس الاثنين، مقابل 48 جنيهاً قبل الحرب.
كما رفعت وزارة البترول المصرية، قبل منتصف مارس، أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14% و30%، وكذا رفعت وزارة النقل، قبل أيام، أسعار تذاكر القطارات ومترو الأنفاق بنسب تتراوح بين 12.5% و25%.
واعتبر محللون تحدثوا مع «إرم بزنس» أن الزيادات الملحوظة في أسعار الدولار ووسائل النقل والوقود وبعض السلع الأساسية ستقود حتماً لتسارع التضخم بما يتراوح بين 4 و6% خلال وقتٍ قريب، وهو الأمر الذي قد يؤثر على أسعار الفائدة.
وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 13.4% في فبراير مقابل 11.9% في يناير، فيما تسارعت وتيرة التضخم على أساس شهري إلى 2.8% في فبراير مقارنة بـ1.2% في يناير، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر.
قال العضو المنتدب لشركة إنسايت القابضة للاستثمارات المالية، محمد عبد الحكيم، إن الضغوط التضخمية المتزايدة، والتطورات الاقتصادية منذ بدء الحرب الإيرانية، تشير إلى ضرورة رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع البنك المركزي المصري الخميس المقبل بنسبة تتراوح بين 2% و3%.
وأوضح عبد الحكيم لـ«إرم بزنس» أن الضغوط التضخمية في مصر قد تؤدي إلى تسارع معدل التضخم بنسبة تتراوح بين 4% و6% خلال شهري مارس وأبريل، مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود وما تبعه من زيادات في تكاليف النقل والمواصلات، إلى جانب صعود سعر الدولار، وهو ما انعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات في السوق المحلي.
وأضاف: «هناك فرق بين التقديرات والتوقعات، ما نطرحه بشأن أسعار الفائدة يعكس رؤية حسابية مبنية على المعطيات الحالية، وليس بالضرورة سيناريو القرار النهائي للبنك المركزي، الذي قد تحكمه اعتبارات أخرى».
ورأى عبد الحكيم أن رفع الفائدة في هذه الحالة لن يكون إجراءً استباقياً بالكامل، إذ إن جزءاً من الضغوط التضخمية بدأ بالفعل في الظهور، بينما سيستكمل الجزء الآخر خلال الفترة المقبلة.
وحول مسار السياسة النقدية في مصر خلال الأشهر المتبقية من العام، اعتبر عبد الحكيم أن الرؤية لا تزال غير واضحة في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتطورات الإقليمية.
وأشار إلى أن قرارات الفائدة المقبلة ستظل مرهونة بتطورات الأوضاع، خاصة في ظل تأثيرات الحرب على تدفقات النقد الأجنبي لمصر.
«سوق الصرف في مصر تواجه ضغوطاً ملحوظة، في ظل ارتفاع الالتزامات الدولارية على مصر خلال العام الجاري، إلى جانب تحديات تواجه مصادر النقد الأجنبي، مثل إيرادات قناة السويس، والسياحة، والصادرات، بالتوازي مع ارتفاع فاتورة الواردات وخروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة»، بحسب عبد الحكيم.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي إيهاب سعيد، إنه من المفترض أن يقوم البنك المركزي المصري برفع أسعار الفائدة بين 1% و2% على الأقل، في اجتماعه المرتقب الخميس المقبل.
وأضاف سعيد في منشور له على فيسبوك، أن البنوك المركزية تتعامل مع التضخم «المتوقع» والذي سيظهر حتماً في بيانات مارس، والتي ستعلن في 10 أبريل المقبل.
وتوقع سعيد ارتفاع معدل التضخم في مصر إلى ما يتراوح بين 15,5% و16% خلال شهر مارس، مقارنة بنحو 13,4% في فبراير، خاصة بعد رفع أسعار المحروقات.
ورأى سعيد أن رفع أسعار الفائدة في مصر خلال الظروف الحالية سينعكس إيجابياً على المدخر المحلي، وسيزيد من جاذبية الجنيه، ويحد من الموجة التضخمية المتوقعة.
ودعا إلى ضرورة إعادة الشهادات البنكية لآجل عام بفائدة تتراوح بين 20 و21% لتحجيم أكبر قدر من السيولة، وتعويض المدخر المحلي عن انخفاض قيمة العملة والتضخم المتوقع بفعل القرارات الأخيرة.
من جانبه، رجّح الخبير الاقتصادي محمد أنيس، اتجاه البنك المركزي المصري إلى تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب الخميس المقبل.
واعتبر أنيس أن هذا الخيار يُعد الأنسب في الوقت الحالي في ظل حالة الضبابية المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بعد حرب إيران.
وأوضح أنيس لـ«إرم بزنس» أن السياسة النقدية في مصر كانت قد دخلت بالفعل في دورة تيسير نقدي خلال الأشهر الماضية، إلا أن المستجدات الأخيرة تفرض التوقف مؤقتاً لتقييم تأثيرها قبل اتخاذ أي قرارات جديدة.
ورأى أن تداعيات الحرب تنعكس عبر محورين رئيسيين، أولهما الضغوط على التدفقات الدولارية، نتيجة احتمالات خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، إلى جانب تراجع بعض مصادر النقد الأجنبي مثل الصادرات، وإيرادات السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج.
أما المحور الثاني فيتعلق بارتفاع تكاليف السلع الأساسية عالمياً وفي مقدمتها النفط والحبوب، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات التضخم المحلية، وفق أنيس.
وعلى العكس طالب أنيس بضرورة التريث وعدم اتخاذ قرارات استباقية قبل اتضاح تأثيرات الحرب، معتبراً أن القراءة المقبلة لمعدلات التضخم، المنتظر صدورها في 10 أبريل، ستكون مؤشراً أولياً مهماً لتقييم الموقف.
وقال إن اتجاه أسعار الفائدة خلال الأشهر المتبقية من العام الحالي مرهون بحجم الضغوط على التدفقات الأجنبية، ومدى تسارع التضخم.
ورأى أن رفع أسعار الفائدة، حال اللجوء إليه لاحقاً، لن يكون له التأثير التقليدي في كبح التضخم، باعتبار أن الضغوط الحالية ناتجة عن صدمة عرض وليس زيادة في السيولة النقدية، ما يعني أن أدوات السياسة النقدية قد تكون محدودة الفاعلية في التعامل مع هذا النوع من التضخم.
ولم تختلف توقعات شركة «إتش سي» للأوراق المالية عن أنيس، حيث رجحت في بيان اطلعت عليه «إرم بزنس»، أن تُبقي لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المرتقب.
ورأت الشركة أن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع الحرب، مما خفف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً، حيث ارتفع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11% على أساس سنوي إلى مستوى بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير، كما ارتفعت الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة إلى 13.4 مليار دولار، بجانب اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 3.4 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير.