
لا يلبث الاقتصاد اللبناني أن يلتقط أنفاسه حتى تعصف به أزمة جديدة تعيده إلى دائرة الاختناق، في مشهد بات يتكرر مع كل محاولة تعاف.
ومع عودة الضربات الإسرائيلية على لبنان في 2 مارس بات المشهد قاتماً في بلد أنهكته الأزمات ولم يتعاف من تداعيات الانهيار المالي في 2019، ولا من صدمة جائحة «كورونا»، وانفجار مرفأ بيروت، ثم تبعات حرب 2023-2024.
والخميس، اتفق لبنان وإسرائيل برعاية أميركية على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام.
واستنزفت الحرب الاحتياطي بالعملات الأجنبية في مصرف لبنان بوتيرة سريعة، إذ انخفضت بنحو 350 مليون دولار في نهاية مارس لتبلغ 11.53 مليار دولار، مقارنة بـ11.88 مليار دولار في نهاية فبراير 2026، نظرا للحاجة إلى تأمين الدولارات اللازمة بالعملات الأجنبية مع استمرار تراجع العرض على الدولار بنحو 50%.
ويشهد ميزان المدفوعات تراجعاً واضحاً لناحية استقطاب الدولارات، مع تراجع تحويلات المغتربين بنحو 10 إلى 15% خلال فترة الحرب.
ويستقر سعر الصرف قرب 89,500 ليرة أمام الدولار، وهو مستوى أرجعه محللون إى سياسات انكماشية استثنائية قيّدت الإنفاق، وامتصّت السيولة.
يرى ناصر السعيدي، وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق والنائب السابق لحاكم مصرف لبنان، في حديث لـ«إرم بزنس»، أنه رغم وقف إطلاق النار لا تزال الأزمة مستمرة كونها مجرد هدنة، وهناك تهجير ودمار يمثل 20% من الأراضي الزراعية وباتت كلها معدومة وكذلك النقل والتجارة والسياحة أيضاً وذلك له تداعيات كبيرة على الاقتصاد اللبناني.
وتوقع السعيدي أن ينخفض الناتج للقومي 15% إلى 20% في حال استمرت الحرب، مشدداً أن هذا السيناريو يعد كارثة للبنان واللبنانيين خاصة أن الاقتصاد يعتمد على التحويلات و60% تأتي من الخليج وقد تنخفض في ظل أزمة حرب إيران، بالإضافة إلى ارتفاع التضخم.
وأشار إلى أن الحكومة في وضع صعب وليس لديها أدوات عديدة لضبط الاستقرار النقدي في ظل انخفاض الناتج القومي وزيادة الإنفاق، ورجح أن تتجه الحكومة إلى المساعدات قدر الإمكان «وبالفعل اتجهوا إلى البنك الدولي وحصلوا على مساعدات»، لافتاً إلى أن مصرف لبنان لن يتدخل لدعم سعر صرف الليرة، حيث أن التدخلات السابقة لم تكن مجدية وحدثت خسائر كبيرة في الاحتياطي والعملات الأجنبية وصلت حد الانهيار، على حد قوله.
غير أنه أشار إلى أن وزارة المالية لديها فائض (حساب احتياطي) لدى مصرف لبنان، وقال إنه يمكن استخدامه لتمويل النفقات والعجز رغم أنه محدود.
وحذر رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية محمد شقير في بيان منتصف مارس الماضي من أخطار قوية تهدد الاقتصاد الوطني في قطاعيه العام والخاص جراء الحرب.
وقال إن «استمرار الحرب وإطالة أمدها سيقود حتماً إلى إقفال مئات المؤسسات وصرف آلاف اللبنانيين من وظائفهم، ما يفاقم الأزمة الاجتماعية والإقتصادية في البلاد»، معرباً عن خشيته من «انزلاق الاقتصاد الوطني مجدداً إلى دوامة الأزمات والانهيار».
ولفت إلى أن النشاط التجاري تراجع بنحو 50%، وكذلك النشاط الصناعي تراجع بنسبة 50%، وانخفض النشاط الزراعي بنحو 40%. أما قطاع الفنادق فشهد تراجعاً حاداً في نسب الأشغال نتيجة انعدام حركة السياحة الوافدة، وإلغاء العديد من الحجوزات، وقد تراجع معدل إشغال الفنادق بين 10 و15%، وتراجعت حركة المطاعم بنسبة 90%، وانخفض نشاط قطاع السياحة والسفر بنسبة تقارب الـ80.%
يوم الثلاثاء، نقلت وكالة بلومبرغ عن أشخاص مطلعين أن «صندوق النقد الدولي» ولبنان يبحثان خيارات لتقديم دعم سريع لمساعدة البلاد على استيعاب تداعيات حرب الشرق الأوسط.
وأضافت أن المحادثات تتركز على أداة تمويل من شأنها أن تتيح للبنان الحصول على ما يتراوح من 800 مليون دولار إلى مليار دولار، على أن تُخصص هذه الأموال لدعم الموازنة والاستجابة الإنسانية.
والخميس، قال وزير المالية اللبناني ياسين جابر إن حكومته عقدت اجتماعات جيدة مع صندوق النقد الدولي، وإنها لا تزال ملتزمة بالعمل معه للتوصل إلى برنامج.
وأوضح جابر، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، أن الأحداث الجارية، بما فيها الضربات الإسرائيلية المكثفة على لبنان، أدت إلى تأخير العملية، لكنه أضاف أن المسؤولين ملتزمون بالمضي قدماً في الخطوات اللازمة للتوصل إليه.
وقال «هدفنا كحكومة هو التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد بشأن برنامج... سنبدأ باتفاق على مستوى الخبراء ثم ننتقل إلى برنامج».
وأضاف أن الحرب تسببت في أضرار تُقدر بنحو 7 مليارات دولار. وأوضح أنه يجري تقييم بقية الأضرار لكنها ستكون هائلة، مشيراً إلى أن لبنان يعمل مع البنك الدولي لتقديم تقييم سريع للأضرار.
وفي 10 أبريل الجاري، قال برنامج الأغذية العالمي إن لبنان يواجه أزمة أمن غذائي نتيجة لتعطيل حرب إيران لإمدادات السلع للبلاد وارتفاع الأسعار.
ونقلت رويترز عن أليسون أومان مديرة برنامج الأغذية العالمي في لبنان «ما نشهده ليس مجرد أزمة نزوح، بل يتحول بسرعة إلى أزمة أمن غذائي».
وحذرت من أن ارتفاع أسعار الغذاء المطرد تسبب في تفاقم عدم القدرة على شرائه مع تزايد الطلب عليه بين الأسر النازحة.
وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن أسعار الخضراوات ارتفعت بأكثر من 20%، في حين زادت أسعار الخبز 17% منذ الثاني من مارس.