
الإمارات تراهن على التصنيع المحلي عبر توطين 5000 منتج
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لتطوير الصناعة وسلاسل الإمداد
لا يتعامل «مصرف الإمارات للتنمية» مع التمويل كأداة مالية تقليدية، بل كأداة لإعادة تشكيل الاقتصاد، حسب ما أكد نائب الرئيس التنفيذي والرئيس التنفيذي للأعمال في المصرف، شاكر زينل، موضحاً أن تقييم أي طلب تمويلي لا يقوم فقط على قدرة الشركة على السداد، بل على تأثير المشروع في الاقتصاد الإماراتي ككل.
وفي حديثه لـ«إرم بزنس»، قال زينل أن كل مشروع يخضع لنظام تقييم دقيق يقيس مساهمته في خلق الوظائف، وتعزيز الصادرات، ودعم الناتج المحلي، مضيفاً أن «العامل الحاسم هو القيمة التي يضيفها المشروع للاقتصاد الوطني».
هذا النهج انعكس في الأرقام، إذ بلغت الموافقات التمويلية لـ«مصرف الإمارات للتنمية» نحو 27 مليار درهم (7.35 مليار دولار)، حققت أثراً اقتصادياً يُقدّر بنحو 14 مليار درهم، وأسهمت في خلق قرابة 40 ألف وظيفة داخل الدولة.
ضمن هذا التوجه، يتحول معرض «اصنع في الإمارات» إلى منصة استراتيجية يعلن من خلالها المصرف عن أبرز مبادراته، وأشار زينل إلى أن هذه المبادرات لا تستهدف التمويل فقط، بل إعادة توجيه الاقتصاد نحو التصنيع المحلي.
يعمل المصرف بالتعاون مع وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة على برنامج بقيمة مليار درهم لتعزيز مرونة الصناعة الوطنية، بالتوازي مع برنامج آخر مع مكتب أبوظبي للصادرات بالقيمة نفسها لدعم التوسع في الأسواق الخارجية. كما تم إطلاق مبادرة لخصم الفواتير الحكومية بهدف توفير السيولة للشركات الصغيرة والمتوسطة، في وقت أصبحت فيه السيولة عاملاً حاسماً لاستمرار الأعمال.
كل هذه التحركات ترتبط بهدف أكبر يتمثل في توطين نحو 5000 منتج داخل الدولة، خصوصاً في قطاعات مثل الأمن الغذائي، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيا المتقدمة، والطاقة المتجددة.
التغيرات الجيوسياسية لم تمر دون تأثير على أولويات المصرف. ويوضح زينل أن التركيز لم يعد مقتصراً على النقل البحري، بل توسع ليشمل النقل البري والجوي، في محاولة لتقليل المخاطر المرتبطة بالاضطرابات العالمية.
هذا التحول ترافق مع توجه واضح نحو تمويل بناء مخزونات استراتيجية لدى الشركات تمتد لعدة أشهر، لضمان استمرارية الإنتاج حتى في أوقات الأزمات. الفكرة لم تعد مجرد تمويل مشاريع، بل تأمين استقرار الاقتصاد في مواجهة الصدمات.
في قلب هذه الاستراتيجية، يأتي دعم السيولة كأولوية قصوى، حيث يضخ المصرف يومياً نحو 20 مليون درهم في الاقتصاد، مع توفير تسهيلات تشمل تأجيل الأقساط وإعادة الجدولة، وهو ما يعكس إدراكاً بأن التحدي الأكبر للشركات في الأزمات ليس الربحية، بل القدرة على الاستمرار.
وقد بلغ هذا التوجه ذروته في شهر أبريل، الذي سجل أعلى مستوى ضخ تمويلي بنحو 750 مليون درهم، في ظل الطلب المتزايد من الشركات على التمويل لمواجهة التحديات الراهنة.
ضمن القطاعات ذات الأولوية، يبرز الأمن الغذائي كأحد أهم محاور العمل. وقد أطلق المصرف برنامجاً بقيمة 100 مليون درهم لدعم المزارعين المواطنين، إلى جانب مبادرات تدريبية لتطوير قدراتهم وتحسين إنتاجهم.
أشار زينل إلى أن بعض المنتجات الزراعية في الإمارات بدأت تحقق مستويات من الاكتفاء الذاتي، لكن بناء منظومة متكاملة لا يزال يحتاج إلى وقت واستثمارات مستمرة، خصوصاً في التكنولوجيا الزراعية.
في موازاة ذلك، يراهن المصرف على التكنولوجيا كرافعة للنمو، حيث أطلق برامج لتمويل استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الصناعي، سواء في خطوط الإنتاج، أم إدارة سلاسل الإمداد، أم تطوير المنتجات.
يأتي ذلك بالتوازي مع شراكات استراتيجية، من بينها التعاون مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، لتدريب الكوادر وتعزيز استخدام التقنيات المتقدمة، بما يعكس تحولاً أعمق في بنية الاقتصاد نحو الابتكار.
رغم التركيز على المشاريع الكبرى ذات الأثر الاقتصادي الواسع، أكد زينل أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تبقى في صلب استراتيجية المصرف. فقد موّل المصرف نحو 750 شركة خلال السنوات الأربع الماضية، ضمن خطة تستهدف ضخ 30 مليار درهم في الاقتصاد خلال خمس سنوات.
بهذا المعنى، لا يقتصر دور المصرف على تمويل المشاريع، بل يمتد إلى إعادة هندسة الاقتصاد الإماراتي، عبر توجيه التمويل نحو القطاعات الأكثر تأثيراً، وبما يعزز قدرة الدولة على التكيف مع التحولات العالمية، ويؤسس لنمو أكثر استدامة.