
تشهد الولايات المتحدة موجة جديدة من المضاربات تتجاوز الأسواق المالية التقليدية، لتتغلغل في مختلف جوانب الاقتصاد والثقافة الأميركية.
فمن شركات الذكاء الاصطناعي إلى العملات المشفّرة والمراهنات الرياضية وحتى الذهب، يعيش الأميركيون حالة غير مسبوقة من الهوس بالمخاطرة، في ظلّ سياسات حكومية تبدو وكأنها تغذي هذه النزعة بدلاً من كبحها.
وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال»، تتشابه الطفرة الحالية، التي تتمحور حول الذكاء الاصطناعي، إلى حدٍّ كبير مع موجات المضاربة السابقة، من صفقات الرافعة المالية في ثمانينيات القرن الماضي، إلى فقاعة الإنترنت في التسعينيات، وصولاً إلى أزمة العقارات عام 2008.
غير أن ما يميز الموجة الراهنة هو اتساع نطاقها وتغلغلها في صميم السلوك الاقتصادي والاجتماعي للأفراد.
وتشير بيانات «جمعية الألعاب الأميركية» (American Gaming Association) إلى أن رهانات الأميركيين على الرياضة تجاوزت 150 مليار دولار في عام 2024، بزيادة سنوية بلغت 24%. كما وصلت القيمة السوقية للعملات المشفّرة إلى نحو 4 تريليونات دولار، فيما بدأ الذهب، رغم مكانته كملاذ آمن، يُظهر علامات تضخم مضاربي.
بدلاً من تشديد السياسة النقدية، يواصل مجلس الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة رغم بقاء التضخم فوق مستهدفه البالغ 2%، مبرراً ذلك بضعف سوق العمل. في المقابل، تعمل إدارة ترامب على تخفيف القيود التنظيمية المالية، ما زاد من تدفق السيولة نحو الأنشطة عالية المخاطر.
ومن المفارقات أن أفراداً من عائلة ترامب أنفسهم من بين المستفيدين من هذا المناخ الجديد. فدونالد ترامب الابن يشغل منصب مستشار ومستثمر في منصة «بولي ماركت» (Polymarket) عبر شركته «1789 كابيتال» (1789 Capital). وقد أعلنت «إنتركونتننتال إكستشينج» (ICE)، المشغلة لـ«بورصة نيويورك»، عن استثمار يبلغ ملياري دولار في «بولي ماركت»، مما رفع تقييمها إلى 8 مليارات دولار رغم غياب الإيرادات.
وتتيح المنصة للمستخدمين المراهنة على نتائج الأحداث السياسية والرياضية باستخدام العملات المشفّرة، ما يعكس تحوّل المراهنة إلى أداة مالية رئيسة في البيئة الاقتصادية الجديدة.
يرى البعض أن انتشار المراهنات والاستثمارات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي يعكس تحولاً هيكلياً نحو اقتصاد مالي جديد، بينما يحذر آخرون من بوادر فقاعة مالية واسعة النطاق قد تترك آثاراً مؤلمة عند انفجارها.
ففي اجتماعات «البنك الدولي» و«صندوق النقد الدولي» الأخيرة بواشنطن، حذّر الصندوق من أن أسعار الأصول عالية المخاطر تفوق أساسياتها الاقتصادية، مشيراً إلى أن نسبة تقييم مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» (S&P 500) إلى الأرباح المستقبلية تقع ضمن أعلى 4% منذ 1990، مستوى قريب من ذروة فقاعة الإنترنت عام 2000، وإن كان أكثر تركّزاً في شركات التكنولوجيا الكبرى.
تتجلّى مظاهر السلوك الفقاعي في صور متعددة داخل المشهد المالي الأميركي. فشركات ناشئة صغيرة تسارع إلى طرح أسهمها للاكتتاب العام قبل أن تنهار أسعارها خلال أسابيع، فيما تُعيد أخرى تسويق نفسها كشركات «خزائن رقمية» بهدف جذب رؤوس الأموال إلى الأصول المشفّرة دون امتلاك نموذج أعمال مستدام.
وفي المقابل، تنتشر صفقات التمويل الدائرية التي تُخفي ضعف الإيرادات الحقيقية، كما في سلسلة الاستثمارات المتشابكة بين «إنفيديا» (Nvidia) و«أوبن إيه آي» (OpenAI) و«أوراكل» (Oracle)، حيث تستثمر الأولى في الثانية، بينما تشتري «أوبن إيه آي» خدمات الحوسبة من «أوراكل»، التي تعتمد بدورها على رقائق «إنفيديا»، في دورة مالية مغلقة تُضخّم القيم السوقية دون توليد عوائد إنتاجية حقيقية.
حتى قادة التكنولوجيا يدركون هشاشة الوضع؛ إذ قال الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» (Meta)، مارك زوكربيرغ: «الخطر الحقيقي ليس في إنفاق مئات المليارات بلا كفاءة، بل في أن نتأخر عن سباق الذكاء الفائق إن حدث قبل أن نتأهب له».
تاريخياً، يصعب تحديد الفقاعات قبل انفجارها، لكن أنماط السلوك، الإفراط في الثقة وتوسع الائتمان، تكشفها مبكراً. ورغم أن المضاربات الحالية لم تتغلغل بعمق في النظام المصرفي كما حدث عام 2008، فإن تمويل مراكز البيانات عبر الديون يرفع مستويات المخاطر تدريجياً.
ومع تراجع الرقابة التنظيمية، خصوصاً بعد إضعاف مكتب حماية المستهلك المالي وتخفيف متطلبات رأس المال، أصبحت الأسواق أكثر استعداداً للمغامرة. أما «هيئة الأوراق المالية والبورصات» (SEC)، برئاسة بول أتكينز، فقد خففت القيود على تداول العملات المشفّرة، معتبرة ذلك خطوة ضرورية لتعزيز الابتكار والتنافسية الأميركية.
في ظل هذه التحولات، أصبح المستثمر الأميركي العادي يمتلك محفظة أكثر جرأة من أي وقت مضى، تجمع بين العملات المشفّرة والمراهنات والأدوات عالية المخاطر. ويبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل يمثل هذا التحول ديمقراطية مالية جديدة تتيح للجميع فرصاً متساوية لبناء الثروة؟ أم أنه مجرد حفلة مضاربات كبرى ستنتهي بانفجار مألوف؟.
وكما عبّر أحد مسؤولي صندوق النقد الدولي مؤخراً: «المؤشرات واضحة... والسؤال الوحيد هو متى، وكيف، ستنتهي هذه المرة؟».