
يتحوّل نموذج «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» (BNPL) من خيار دفع إضافي إلى قناة ائتمان استهلاكية قصيرة الأجل تعيد توزيع الحصص داخل سوق المدفوعات في الشرق الأوسط. فالمستهلك الذي كان يعتمد على بطاقة الائتمان لتمويل مشترياته بات يجد في التقسيط الفوري مزيجاً مختلفاً: أقساط واضحة، موافقات أسرع، وتكلفة أكثر شفافية عند نقطة الشراء.
ومع اتساع استخدام الخدمة في المشتريات الأساسية والطارئة، لم يعد تأثيرها محصوراً في زيادة المبيعات أو تحسين تجربة الدفع، بل امتد إلى إعادة تشكيل سلوك الإنفاق نفسه. وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه في 2026: هل بدأ «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» يزاحم بطاقة الائتمان على دورها التاريخي في تمويل الاستهلاك؟.
تُظهر تقديرات حديثة أن سوق «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» في الشرق الأوسط تتوسع بوتيرة مرتفعة، وإن اختلفت الأرقام بحسب منهجية القياس بين قيمة السوق وقيمة المدفوعات أو حجم الإنفاق الممول.
تشير تقديرات شركة «ريسيرتش آند ماركتس» (Research and Markets) إلى أن السوق مرشحة للوصول إلى نحو 3.3 مليار دولار في 2026 مع نمو سنوي يقارب 25.2%. وفي تقديرات سوقية أخرى، يُرجّح أن تبلغ القيمة نحو 5.79 مليار دولار في 2025 بنمو سنوي 19.4%، قبل أن تتوسع إلى قرابة 11.74 مليار دولار بحلول 2030.
وعلى مستوى الأسواق المحلية، يُتوقع أن يصل حجم سوق التقسيط الفورية في الإمارات وحدها إلى نحو 1.47 مليار دولار في 2026 مع نمو سنوي يناهز 25.4%، ما يعكس سرعة تبني هذا النموذج في أحد أكثر أسواق المنطقة رقمنة.
يرتبط جزء مهم من صعود «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» بالإطار التنظيمي، خصوصاً في الإمارات حيث أُدرج النشاط ضمن تنظيم شركات التمويل منذ ديسمبر 2023، مع متطلبات ترخيص وشراكات مصرفية وقواعد أشد لحماية المستهلك.
وقد رفع ذلك مستوى نضج القطاع وحدّ من نماذج التوسع غير المنضبط، ودفع الشركات الكبرى إلى الاستثمار في الامتثال والحوكمة وإدارة المخاطر، ما قرّبها تدريجيًا من نموذج المؤسسات الائتمانية المنظمة.
توضح بيانات القطاع لماذا بدأت البنوك تنظر إلى «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» كمنافس فعلي، فقد أدرجت «فوربس الشرق الأوسط» (Forbes Middle East) شركة «تمارا» (Tamara) ضمن قائمة شركات التكنولوجيا المالية لعام 2025، مشيرة إلى امتلاكها نحو 16 مليون مستخدم مسجل في الخليج وشراكات مع 60 ألف تاجر، إضافة إلى تمويل تراكمي بلغ 1.15 مليار دولار.
وفي ما يتعلق بسلوك الإنفاق، أظهرت بيانات «تابي» (Tabby) أن 77% من المستخدمين يخططون لاستخدام الخدمة في المشتريات الأساسية، وأن عمليات الشراء الأولى عبر التقسيط كانت أكثر ميلاً بمرتين للسلع الأساسية مقارنة بالكمالية.
كما تشير تقديرات حديثة إلى أن «تابي» وصلت إلى استخدام أكثر من نصف البالغين، ما يعكس انتقال «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» من خدمة ارتبطت بمتاجر الأزياء إلى أداة تمويل تمتد إلى السلع الأساسية، وهي مساحة طالما هيمنت عليها بطاقات الائتمان.
بطاقات الائتمان تقوم على حد ائتماني مفتوح وتأجيل السداد مع فوائد أو رسوم محتملة، بينما يفرض التقسيط الفوري جدولاً واضحاً للسداد منذ البداية، ما يمنح المستخدم إحساساً أكبر بالتحكم والوضوح.
كما أسهمت خطط السداد الأطول في توسيع الاستخدام، فانتقال الخدمة من نموذج الأربع دفعات إلى خطط تمتد حتى 12 شهراً قرّبها من مساحة كانت تقليدياً من اختصاص البطاقات والقروض الاستهلاكية، خصوصًا في السلع مرتفعة الثمن.
في الوقت نفسه، أدى القبول الرقمي السريع دوراً حاسماً في الانتشار، إذ تقلّل الموافقات الفورية الاحتكاك المرتبط بالحصول على الائتمان التقليدي، ما فتح الباب أمام شريحة واسعة من العملاء للحصول على ما يمكن وصفه بـ«الائتمان الخفيف».
رغم الزخم المتسارع، لا تشير المؤشرات إلى اختفاء بطاقات الائتمان بقدر ما تعكس إعادة توزيع أدوار سوق الائتمان الاستهلاكي.
ستبقى البطاقات قوية في الإنفاق اليومي والسفر والاشتراكات وبرامج المكافآت وإدارة السيولة عبر حد ائتماني متجدد. في المقابل، يتقدم التقسيط الفوري في المشتريات المخطط لها والسلع الأساسية والطارئة، والتسوق الرقمي الذي يفضل الوضوح على نموذج الفائدة المركبة.
بعبارة أخرى، لا يقضي «اشترِ الآن وادفع لاحقاً» على البطاقة، لكنه يسحب منها تدريجياً بعض الوظائف التي شكّلت أحد أهم دوافع استخدامها.
مع اتساع الاستخدام، أصبحت البيانات عنصراً محورياً في بناء علاقة طويلة الأمد مع العملاء. فمعلومات مثل توقيت الشراء وسلة الإنفاق وحساسية السعر والقدرة على السداد تمنح المنصات والتجار قدرة أكبر على تخصيص العروض وربط التمويل بالتسويق.
وبذلك يتحول التقسيط الفوري من أداة تمويل إلى بنية علاقة متكاملة مع العميل، تتقاطع فيها المدفوعات مع التخصيص الرقمي وبرامج الولاء، في مسار مرشّح للتوسع مع نضج التنظيم وتزايد المنافسة والتكامل داخل سوق الائتمان الاستهلاكي.