
الصين ترفع قيود تصدير المعادن النادرة مقابل تخفيضات جمركية أميركية
في سباق عالمي على الموارد التي تشغّل التكنولوجيا الحديثة، تراجعت بكين خطوة إلى الوراء ورفعت مؤقتاً القيود على صادرات المعادن النادرة، مقابل تخفيضات جمركية من واشنطن.
لكن ما يبدو كصفقة اقتصادية متوازنة يخفي في جوهره صراعاً أعمق على النفوذ في قلب سلاسل الإمداد العالمية.
«إرم بزنس» أجرت لقاء مع مؤسِّسة ومديرة شركة «زيمبا إنسايتس» (Ziemba Insights) رايتشل زيمبا، التي اعتبرت أن السباق يعكس إدراك الطرفين بتجاوزهما الحدود في استخدام أدوات الضغط الاقتصادي، فكلٌّ منهما قادر على إلحاق الضرر بالآخر، وبالتالي بالاقتصاد العالمي.
كما لفتت إلى أن الأمر يعني إقراراً من بكين بأن أي قطع للإمدادات سيدفع الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وحتى بعض دول الشرق الأوسط إلى تسريع بناء سلاسل توريد بديلة لا تمر عبر الصين.
لم تعد المواجهة بين القوتين مسألة رسوم وتجارة فقط، فالصفقات الجديدة تحمل في طياتها بُعداً أمنياً واقتصادياً متداخلاً، إذ باتت أدوات مثل ضوابط التصدير والاستثمارات المشروطة واتفاقات الأمن القومي جزءاً من سياسات النفوذ بين الدول.
وقالت زيمبا: «نرى اليوم استخدام مجموعة واسعة من أدوات الدولة الاقتصادية، مثل ضوابط التصدير، واتفاقات الاستثمار، والترتيبات التي تربط الأمن الاقتصادي بالأمن القومي. هذه كلها باتت ضمن أدوات السياسة الاقتصادية التي تعتمدها واشنطن».
الهدنة المعلنة لا تعني نهاية الصراع، بل تأجيلاً مؤقتاً له.. فكلا الطرفين أبقى قيوده قائمة في الظل، بانتظار مرحلة التنفيذ الفعلي.
والأسابيع المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه الخطوات مقدمة لتهدئة حقيقية أم بداية لتصعيد جديد.
وأضافت زيمبا: «سنفهم الصورة الحقيقية بعد أسابيع، عندما يبدأ تنفيذ الإجراءات فعلياً، وحين يتولى المسؤولون تطبيق السياسات الجديدة المتعلقة بتدفق التكنولوجيا والإمدادات».
منذ لحظة الإعلان عن الاتفاق، عمّ الارتباك في الأسواق الآسيوية، فتقلبت أسعار الأسهم، وتردد المستثمرون بين الحذر والتفاؤل.
صحيح أن الصفقة جنّبت مواجهة أكبر، لكنها لم تعالج جوهر الخلل الذي يعصف بالاقتصاد العالمي.
وتابعت زيمبا: «ما تحقق ربما كان تجنّباً لسيناريو أسوأ، لتصعيد متبادل كان من شأنه أن يفاقم التوتر التجاري أكثر.. والإجراءات الأخيرة ساعدت قليلاً برفع مستوى التجارة الثنائية بعد تراجعها الحاد في الأشهر الماضية».
في المقابل، يتسع العجز الأميركي فيما تتدفق الواردات من آسيا بوتيرة متسارعة، وتواصل المصانع الصينية ضخ فائض إنتاجها إلى الأسواق العالمية.
ومع تصاعد القلق من الإغراق التجاري، بدأت دول من أوروبا إلى الخليج فرض قيودها الخاصة.
وأوضحت زيمبا: «من المرجح أن ترتفع الواردات من آسيا، بما في ذلك الصين. نرى ذلك بوضوح حتى في الإمارات، حيث فُرضت مؤخراً قيود على بعض السلع القادمة من الصين».
المشهد المقبل مليء بالاحتمالات.. فأي تباطؤ في تنفيذ الاتفاق قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الرسوم والقيود.
وباتت سلاسل التوريد أكثر هشاشة من أي وقت مضى، تمر عبر مسارات متشابكة تشمل كوريا وأوروبا والخليج، وأي خلل في حلقة واحدة قد يُربك الاقتصاد العالمي بأكمله.
وقالت زامبيا: «سأراقب عن كثب كيف ستنفذ الصين التزاماتها في الصفقة، وما إذا كانت ستلتزم فعلاً بتخفيف القيود. والأمر الآخر المهم هو كيفية تعامل الموردين والمنتجين خارج الولايات المتحدة في الخليج وأوروبا تحديداً مع هذه التحولات».
لذلك، فإن ما يجري اليوم ليس تسوية بقدر ما هو اختبار لقوة كل طرف على المدى الطويل.. فمن يمتلك التكنولوجيا والمعادن الحيوية، يمتلك القرار.
وفي عالم يتغير بسرعة، قد تكون الهدنة الحالية مجرد الهدوء الذي يسبق العاصفة الاقتصادية الكبرى.