مضيق هرمز يستوعب خُمس نفط العالم والخليج يبني بدائله البرية

تشهد منطقة الخليج توسعاً ملحوظاً في تطوير الممرات اللوجستية العابرة للحدود، في ظل سعي الدول إلى تعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحساسة.
وفي هذا السياق برزت مبادرتان لافتتان: الممر الأخضر بين الإمارات وسلطنة عُمان الذي يهدف إلى تسريع حركة الشحن بين الموانئ خارج وداخل الخليج، إلى جانب الممر التجاري البري الذي يربط موانئ الشارقة بالسوق السعودية لتسهيل تدفق البضائع عبر شبكة النقل الخليجية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه المخاوف المرتبطة بالممرات البحرية الحساسة؛ إذ تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 20% من تجارة النفط العالمية تمر عبر «مضيق هرمز»، ما يجعله أحد أبرز نقاط الاختناق في التجارة الدولية.
يشير مفهوم «الممر الأخضر» إلى منظومة لوجستية تهدف إلى تسريع حركة الشحن بين الإمارات وسلطنة عُمان، عبر الربط بين الموانئ الواقعة خارج مضيق هرمز وتلك الكائنة داخل الخليج، مع تبسيط الإجراءات الجمركية وتبادل البيانات إلكترونياً لتسريع عمليات التخليص.
ويوضح الباحث الاقتصادي زياد الهاشمي من جامعة أنجليا روسكن البريطانية طبيعة هذا الممر، مشيراً إلى أنه يمثّل في جوهره ممراً طارئاً لربط تدفقات الحاويات القادمة من المناشئ المختلفة، لا سيما الآسيوية منها، المتجهة نحو دول الخليج العربي.
ويقول الهاشمي: «هذا الممر يربط الموانئ العاملة خارج نطاق مضيق هرمز (موانئ صحار وخورفكان والفجيرة ) بالموانئ الداخلية في الخليج كجبل علي وميناء خالد في الشارقة وميناء خليفة في أبوظبي، فضلاً عن ميناء الدمام في المملكة العربية السعودية، وذلك عبر شبكة من الشاحنات البرية».
ويُشير الهاشمي إلى أن الاختلاف الجوهري بين هذا الممر والشحن التقليدي يتمثّل في إضافة مرحلة نقل بري إلى سلسلة التوصيل؛ إذ تُفرَّغ الحاوية في ميناء خورفكان مثلاً، ثم تُنقل براً إلى ميناء جبل علي، لتُعاد شحنها نحو الوجهات النهائية في الإمارات أو المملكة العربية السعودية أو قطر.
في موازاة ذلك، يجري تعزيز الممرات البرية الرابطة بين الإمارات والمملكة العربية السعودية، في إطار ما يُعرف بـ«الجسر التجاري» الذي يهدف إلى تسريع تدفق الشحنات بين موانئ الشارقة والسوق السعودية، وهي الأكبر على مستوى الخليج.
ويعتمد هذا الجسر عملياً على شبكة الطرق البرية الرابطة بين الموانئ والمناطق الصناعية الإماراتية والمنافذ الحدودية مع المملكة، ما يتيح نقل البضائع مباشرة من الموانئ الإماراتية إلى العمق السعودي.
ويرى الهاشمي أن الظروف الاستثنائية تمنح هذه الممرات البرية قيمة مضافة واضحة، إذ يقول: «في وضع طارئ كالذي نشهده، ستكون كل الخيارات البرية سواء أكانت شبكات قائمة أم مُفعَّلة حديثاً ذات جدوى اقتصادية عالية، سواء تعلّق الأمر بربط موانئ البحر الأحمر بالوجهات الخليجية، أو باستلام الحاويات في موانئ خارج المضيق وتوزيعها عبر الشبكة الخليجية البرية نحو الوجهات النهائية».
ورغم الفوائد اللوجستية لهذه الممرات، يُنبّه الهاشمي إلى تداعياتها التنافسية، مشيراً إلى أن توظيف الممر الأخضر كبديل للشحن البحري المباشر يُرتّب أعباء مالية إضافية. ويقول: «إن عملية الممر الأخضر، بوصفها آلية طارئة للتعامل مع الوضع الأمني الراهن، ستُضيف ما بين 30 و35% تكاليف إضافية على نقل الحاويات، وهو ما سيُقلّل بصورة ملموسة من تنافسية الشحن في منطقة الخليج العربي».
ويرجّح الهاشمي أن تعود شركات الشحن إلى مساراتها التقليدية فور استتباب الأوضاع الأمنية في محيط المضيق.
ورغم الجدوى المتعاظمة للممرات البديلة، يؤكد الهاشمي أن الاستغناء الكامل عن مضيق هرمز لا يزال خارج نطاق الواقعية في المدى المنظور، قائلاً: «في الأوضاع الاستثنائية، تؤدي هذه الممرات دوراً محورياً في تخفيف الضغط عن الشحنات المعرّضة للمخاطر، وتوفير بدائل جاهزة للموردين والشركات والموانئ على حدٍّ سواء. غير أن الاستراتيجيات الطويلة الأمد ستبقى مرتكزةً في جوهرها على المسارات التقليدية عبر مضيق هرمز».
يرى الهاشمي أن الأزمة الراهنة قد تُشكّل منعطفاً في مسيرة التكامل اللوجستي الخليجي، دون أن تُلغي الدور المحوري للممرات البحرية التقليدية.
ويختم بالقول: «نحن نشهد ميلاد مسارات أكثر مرونة وقدرة على التكيّف. وأعتقد أن هذه الأزمة ساعدت دول الخليج على استكشاف الجدوى الفعلية للشبكة البرية الإقليمية، مما قد يُسهم مستقبلاً في تطوير منظومة لوجستية أكثر تكاملاً».