
تتجه السعودية إلى إعادة هيكلة طموحات «رؤية 2030»، مع انتقال التركيز من المشاريع العملاقة ذات الطابع الاستعراضي إلى استثمارات أكثر ارتباطاً بالعائد الاقتصادي والمرونة التشغيلية، في ظل ضغوط مالية متزايدة وتغيرات جيوسياسية فرضتها الحرب الإقليمية واضطرابات أسواق الطاقة.
ولا يعكس هذا التحول تراجعاً عن مشروع التنويع الاقتصادي بقدر ما يمثل إعادة تموضع تدريجية داخل «رؤية 2030»، تقوم على تقليص المخاطر وإعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية لصندوق الاستثمارات العامة، مع التركيز على القطاعات القادرة على توليد عوائد أسرع وأكثر استدامة.
خلصت دراسة تحليلية نشرها «منتدى الخليج الدولي» إلى أن مشاريع «رؤية 2030» دخلت مرحلة «الانتقائية» مع تصاعد الضغوط التمويلية وتغير أولويات الاستثمار. فمنذ إطلاق مشاريع مثل «نيوم»، و«البحر الأحمر»، و«القدية» عام 2017، قدمت السعودية هذه المبادرات بوصفها حجر الأساس لتحول اقتصادي واجتماعي واسع يهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد أكثر انفتاحاً وتنافسية.
غير أن التطورات الأخيرة أظهرت انتقال المملكة من مرحلة التوسع غير المحدود إلى مرحلة أكثر حذراً ترتبط بقدرة التمويل والعائد التجاري، في وقت تشير فيه تقديرات «أكسفورد إيكونوميكس» (Oxford Economics) إلى تصاعد التحديات المرتبطة بتمويل المدن العملاقة فائقة الكلفة عالمياً.
ورغم استمرار بعض المشاريع في تحقيق تقدم فعلي، مثل افتتاح أجزاء من مشروع «القدية» وتقدم مشروع «أمالا» (AMAALA)، فإن مسارات التنفيذ أصبحت أبطأ وأكثر انتقائية مقارنة بالسنوات الأولى للرؤية. كما أن الجداول الزمنية لعدد من المشاريع الكبرى أصبحت أكثر مرونة بعد مراجعات متكررة للتكاليف والجدوى الاقتصادية.
ويبرز مشروع «ذا لاين» (The Line) داخل «نيوم» بوصفه المثال الأكثر وضوحاً على هذا التحول. فبعدما رُوّج له كمدينة مستقبلية تمتد على 170 كيلومتراً، بدأت السعودية منذ 2024 بتقليص نطاق المشروع تدريجياً، قبل أن تتحدث تقارير لاحقة نشرتها «بلومبرغ» (Bloomberg) عن إعادة تصميم شاملة تركز على البنية التحتية التجارية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي بدلاً من التصور العمراني الأصلي واسع النطاق.
تزامنت مراجعة المشاريع العملاقة مع تزايد الضغوط المالية على الموازنة السعودية، في وقت تواصل فيه المملكة تنفيذ التزامات استثمارية ضخمة داخلية وخارجية. وتشير التقديرات الصادرة عن وزارة المالية السعودية إلى أن المملكة تتوقع عجزاً يناهز 44 مليار دولار خلال 2026، بعد تسجيل فجوات مالية ملحوظة في 2025، بالتوازي مع ارتفاع مستويات الدين واستمرار الإنفاق الرأسمالي المرتفع.
وفي هذا السياق، بدأ «صندوق الاستثمارات العامة» بتوجيه موارده نحو قطاعات توصف بأنها أكثر قدرة على توليد تدفقات نقدية مباشرة، مثل الخدمات اللوجستية، والتعدين، والسياحة الدينية، والبنية التحتية الرقمية، مع تمديد الجداول الزمنية للمشاريع الأعلى مخاطرة أو خفض نطاقها، في توجه يتقاطع مع تحليلات صادرة عن «غلوبال إس دبليو إف» (Global SWF) بشأن تحول الصناديق السيادية الخليجية نحو الاستثمارات التشغيلية.
كما حمل غياب «نيوم» عن البيان التمهيدي لموازنة 2026 دلالات إضافية بشأن تغير الأولويات، خصوصاً مع تراجع وتيرة العقود الجديدة المرتبطة بالمشروع، واتجاه الصندوق السيادي إلى شطب مليارات الدولارات من استثمارات المشاريع العملاقة، مقابل زيادة التركيز على مجالات مرتبطة بالإيرادات المباشرة والاقتصاد التشغيلي.
وأظهرت وثائق داخلية نُقلت عن مراجعات مالية لمشروع «نيوم» أن تقديرات الكلفة طويلة الأجل تجاوزت بكثير القدرة التمويلية المتاحة، إذ وصلت بعض التقديرات إلى 8.8 تريليون دولار حتى عام 2080، مع وجود افتراضات متفائلة تتعلق بالإيرادات السياحية والنمو السكاني.
أدت تصعيدات الحرب مع إيران إلى تسريع التحول في التفكير الاستثماري السعودي، بعدما تأثرت البنية التحتية الحيوية نتيجة المخاطر الجيوسياسية، بما يشمل قطاعات الطاقة والنقل وحتى الأنظمة الرقمية ومراكز البيانات، في وقت حذرت فيه مراكز أبحاث مثل «مجموعة الأزمات الدولية» (International Crisis Group) من تصاعد مخاطر الاستهداف الإقليمي للبنى الحيوية.
كما انعكس ذلك في قرار «صندوق الاستثمارات العامة» إنهاء دعمه المالي لدوري «ليف غولف» (LIV Golf) بنهاية موسم 2026، في خطوة تعكس توجهاً أوسع لإعادة توجيه الإنفاق نحو قطاعات ذات مردود اقتصادي محلي مباشر، وفق تقارير نشرتها «سي إن بي سي» (CNBC).
ويبدو أن هذا التحول يترافق مع إعادة تعريف لفكرة «المشاريع الوطنية الكبرى»، بحيث تصبح مرتبطة أكثر بالقدرة على إيجاد منظومات اقتصادية مستدامة، وليس فقط بإنتاج معالم عمرانية ضخمة أو مشاريع ذات حضور إعلامي عالمي.
رغم التراجعات التي طالت بعض المشاريع، فإن إعادة التموضع لا تشمل جميع مكونات «رؤية 2030» بالدرجة نفسها. إذ تشير المعطيات إلى أن المشاريع ذات الجدوى التجارية الواضحة أو المرتبطة بأحداث دولية مؤكدة ما تزال تحظى بأولوية مرتفعة.
فمشروعات مثل «مترو الرياض»، و«القدية»، و«الدرعية»، ومشاريع الإسكان التابعة لشركة «روشن» (Roshn)، تواصل التقدم بوتيرة مستقرة نسبياً، مدعومة بارتباطها المباشر بالنشاط الحضري والطلب المحلي أو باستضافة السعودية لكأس العالم 2034.
في المقابل، تواجه المشاريع الأكثر تجريبية وكثافة رأسمالية، وعلى رأسها «نيوم»، تساؤلات متزايدة حول قابليتها للاستمرار بصيغتها الأصلية، مع اتجاه متصاعد لتحويلها إلى نموذج أكثر تقليدية يركز على الخدمات اللوجستية ومراكز البيانات والبنية الرقمية.
تحاول المملكة تقديم هذه التعديلات بوصفها انتقالاً من مرحلة إطلاق المشاريع إلى مرحلة تعظيم أثرها الاقتصادي وتحسين كفاءة تخصيص الموارد. وفي هذا الإطار، تحدث مسؤولون سعوديون عن دخول «رؤية 2030» مرحلة ثالثة تركز على التنفيذ والاستدامة المالية وتعزيز دور القطاع الخاص، في توجه يتقاطع مع قراءات صادرة عن «معهد بروكينغز» (Brookings Institution) بشأن التحول من التوسع الرأسمالي إلى إدارة الكفاءة الاقتصادية.
لكن هذا التحول يعكس أيضاً حقيقة أوسع تتعلق بحدود النموذج القائم على الإنفاق الضخم وحده. فبينما نجحت السعودية في تحقيق تقدم ملموس في قطاعات السياحة والترفيه والبنية التحتية، فإن التحديات المرتبطة بجذب الاستثمار الأجنبي، وتطوير القطاع الخاص، وتحقيق التوازن المالي، ما تزال تشكل اختبارات أساسية لاستدامة المشروع الاقتصادي السعودي على المدى الطويل.
وهنا، لا تبدو السعودية في طريقها للتخلي عن «رؤية 2030»، بل لإعادة صياغتها وفق معادلة أكثر واقعية، توازن بين الطموح الاقتصادي والقدرة التمويلية والمخاطر الأمنية، مع انتقال تدريجي من «اقتصاد المشاريع العملاقة» إلى «اقتصاد العائد والمرونة».