
قد تمتلك شركة لبنانية طلبات تصدير وفرصة لزيادة الإنتاج، لكنها تعجز عن شراء المواد الأولية أو المعدات بسبب نقص السيولة. لهذه المؤسسات، يبحث لبنان مساراً للتمويل من خارج المصارف، عبر أداة ائتمان خاص تجمع ممولين متعددين، وتتولّى إدارتها جهة متخصصة في إدارة الأصول.
لكن توفير الأموال يطرح سؤالاً يتجاوز حجم التمويل: كيف تصل القروض إلى شركات قادرة على النمو والتوظيف، وبكلفة تستطيع تحمّلها، بدلاً من أن تتحول إلى عبء جديد على أعمالها؟
وبحث وزيرا المالية ياسين جابر والاقتصاد والتجارة عامر البساط، خلال اجتماعات بانكوك مع مؤسسة التمويل الدولية ومجموعة البنك الدولي، إنشاء أداة لتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، يديرها مدير أصول وتستقطب ممولين متعددين. وشملت المباحثات دور التأجير التمويلي، وصناديق الائتمان الخاص، والمؤسسات المالية غير المصرفية، مع الاتفاق على استكمال بحث الهيكلية المناسبة للأداة. وهي مباحثات لتطوير آلية تمويل، وليست إعلاناً عن بدء استقبال طلبات الاقتراض.
وفي حديث لـ«إرم بزنس»، يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية، جاسم عجاقة، أن نجاح هذا المسار يتطلب توجيه الأموال إلى مؤسسات تتمتع بالملاءة المالية، وتحقق تدفقات نقدية إيجابية ولديها آفاق للنمو، مع ربط التمويل بنتائج إنتاجية وتشغيلية قابلة للقياس.
يشدد عجاقة على ألا تتحول التسهيلات الائتمانية الخاصة إلى أداة لإنقاذ شركات تعاني أزمات هيكلية أو تفتقر إلى ميزانية سليمة. فاستمرار ضخ الأموال في منشآت عاجزة عن تحقيق نشاط مستدام قد ينشئ ما يسميه «الشركات الزومبي»، التي تستهلك رأس المال دون مخرجات اقتصادية قابلة للاستمرار.
ويربط ذلك بمخاطر منح التمويل لمشاريع لا تستطيع توليد عوائد تغطي تكاليفها، خاصة في سوق مرتفعة المخاطر مثل لبنان، حيث تقلص الدور التقليدي للمصارف في إقراض المؤسسات.
لكن وجود التزامات قديمة لا يعني، في تقديره، أن جميع الشركات التي تحملها فقدت جدواها التجارية. فقد تمتلك مؤسسة نشاطاً إنتاجياً قابلاً للنمو، بينما تعوقها ديون والتزامات تعود إلى مرحلة ما قبل الأزمة.
وهنا يدعو إلى تقييم التدفقات النقدية التشغيلية التي تولدها الشركة، خاصة بالدولار النقدي الجديد «Fresh USD»، لفهم قدرتها الحالية على الإنتاج والسداد بصورة مستقلة عن تعقيدات التزاماتها القديمة. وهذا فصل في التقييم المالي، ولا يعني إسقاط تلك الالتزامات.
ويضع ضمن أبرز المرشحين للاستفادة الشركات الصناعية الموجهة للتصدير، والأعمال الزراعية، والخدمات التكنولوجية، والمؤسسات التي تستطيع إحلال منتجات محلية ذات قيمة مضافة محل المستوردات.
فهذه الشركات، بحسب وصفه، قد تكون أثبتت قدرتها على تلبية الطلب، لكنها تحتاج إلى رأس مال عامل لشراء المواد وتشغيل النشاط، أو إلى تمويل استثماري لتوسيع طاقتها وشراء المعدات.
ولمنع انتقال الأموال إلى استخدامات بعيدة عن هدفها، يقترح عجاقة صرف التمويل على مراحل ترتبط بإنجازات تشغيلية مثبتة، مثل: شراء معدات، أو توريد مواد خام، أو إبرام عقود تصدير، وفقاً لاتفاق التمويل.
ويتيح هذا النهج، في رأيه، متابعة استخدام الأموال قبل الإفراج عن الدفعات اللاحقة، بدلاً من الاكتفاء بمنح القرض، وانتظار انتظام الأقساط.
كما يدعو إلى بناء التقييم الائتماني على التدفقات النقدية الفعلية ونسبة تغطيتها لخدمة الدين، أي قدرة الإيرادات التشغيلية المتاحة على تغطية الأقساط والفوائد، بدلاً من الاعتماد أساساً على أصول عقارية قد يصعب تحويلها إلى سيولة.
ويطرح التأجير التمويلي ضمن الأدوات التي تستحق التطوير؛ إذ تستطيع المؤسسة استخدام المعدات لتوسيع إنتاجها، فيما تحتفظ جهة التمويل بملكيتها القانونية خلال مدة التعاقد، وفق شروط الاتفاق.
أما قياس الأثر على العمل، فيرى أنه يجب أن يدخل في صلب الاتفاقيات، من خلال أهداف واضحة للتوظيف وكشوف الرواتب وعقود التصدير، وربط صرف دفعات لاحقة بتحقيق المؤشرات المتفق عليها.
ويؤكد أن هذه الآليات ينبغي أن تُبنى ضمن هيكل التمويل منذ البداية، حتى يمكن التمييز بين قرض ساعد مؤسسة على زيادة إنتاجها وتوظيف عاملين، وآخر استُخدم لتغطية التزامات دون تحسين قدرتها التشغيلية.
يبقى سعر التمويل أحد أبرز التحديات. ويحذّر عجاقة من أن المخاطر السياسية والاقتصادية والسيادية في لبنان ترفع العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل توظيف أموالهم، بما قد يجعل الاقتراض أعلى كلفة من قدرة كثير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وتضاف إلى ذلك، بحسب تحليله، نفقات المتابعة القانونية والتدقيق والإدارة، خاصة عندما تكون المعلومات المالية غير كافية أو غير شفافة، فتنعكس هذه الأعباء على الرسوم والكلفة الإجمالية التي يتحملها المقترض.
كما يرى أن فاعلية الضمانات، وإمكان تحصيل المستحقات عبر مسار قضائي واضح، يؤثران في استعداد الممول للإقراض وفي تسعيره للمخاطر.
ويحذّر من تكاليف اقتراض قد تتجاوز مستويات تتراوح بين 12% و15% إذا لم تُعالج هذه المخاطر. وهي مستويات يوردها ضمن تحليله لاحتمالات ارتفاع الكلفة، وليست أسعار فائدة معلنة لأداة التمويل الجاري بحثها.
ولتجنب ذلك، يقترح أن تعمل مؤسسة التمويل الدولية وشركاء التنمية على هيكل للتمويل المدمج، يجمع أموالاً تجارية بموارد من جهات مانحة أو تمويل بشروط ميسرة.
ويمكن، وفق مقترحه، تخصيص ضمانات أو شرائح تتحمل الخسائر الأولى ضمن حدود متفق عليها، لتخفيف المخاطر عن بقية الممولين. ويستهدف هذا الترتيب جذب رأس المال الخاص بعائد أقل مما قد يطلبه عند تحمّل المخاطر كاملة، بما يتيح خفض كلفة التمويل على المؤسسات اللبنانية القادرة على الإنتاج والتوسع.