logo
اقتصاد

نقص الأدوية في تونس.. هل تكفي الحلول الحكومية لمواجهة الأزمة؟

نقص الأدوية في تونس.. هل تكفي الحلول الحكومية لمواجهة الأزمة؟
صيدلية في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تونس، بتاريخ 7 ديسمبر 2022.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تحول البحث عن الدواء في تونس إلى معركة يومية يخوضها المواطن بين رفوف صيدليات شبه فارغة ووعود رسمية تتأخر عن التنفيذ، إذ أصبح نقص الأدوية خطراً يهدد 60% من الصيدليات، جراء تفاقم أزمة السيولة وصعوبة سداد مستحقات الموردين الأجانب.

وبحسب خبراء تونسيين تحدثوا مع «إرم بزنس» ترجع جذور الأزمة إلى عوامل هيكلية متعددة ومتشابكة، يأتي في مقدمتها الأزمة المالية التي تعاني منها «الصيدلية المركزية» باعتبارها الجهة المسؤولة عن اسيراد وتوزيع الأدوية.

أخبار ذات صلة

علم تونس مرفوع بساحة باب سعدون الشهيرة في العاصمة تونس، 31 مارس 2020

البنك الدولي يدعم قطاع الطاقة التونسي بـ430 مليون دولار

أزمة سيولة

وتعاني هذه المؤسسة الحيوية من أزمة سيولة حادة، حيث تعجز عن تسديد مستحقات الموردين الدوليين بعدما تجاوزت ديونها 1.3 مليار دينار تونسي (440 مليون دولار).

بينما بلغت الديون المتأخرة في ذمة المستشفيات والصناديق الاجتماعية لدى الصيدلية المركزية إلى 1.4 مليار دينار، مما أدى إلى انقطاع في سلاسل التوريد وتراجع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية من الأدوية.

ويرى الخبير التونسي صالح الونيسي، في حديثه مع «إرم بزنس»، أن «الصيدلية المركزية» تقف كشاهد رئيسي على أزمة متعددة الأوجه، فهذه المؤسسة التي يفترض أن تكون شريان الحياة للنظام الصحي، أصبحت تعاني من انسداد متكرر في شرايينها المالية.

ويؤكد الونيسي أن أزمة السيولة هي السبب الرئيسي وراء هذا العجز، حيث تتراكم الديون على المؤسسة وتفشل في تسديد مستحقات الموردين الدوليين، وأصحبت هذه المؤسسة المثقلة بالديون غير قادرة على تجديد كامل مخزوناتها أو التزود بانتظام من الخارج، مما أدى إلى نقص بعض الأدوية لا سيما المستوردة.

وتشير البيانات الصادرة عن النقابة العامة للصيادلة التونسيين إلى أن أكثر من 60% من الصيدليات في البلاد تعاني من نقص حاد في أدوية الأمراض المزمنة، خاصة أدوية السكري وارتفاع ضغط الدم، وهذه النسب لا تعكس مجرد أرقام جافة، بل تخفي وراءها معاناة حقيقية لأكثر من مليوني مريض بحسب تقديرات الجمعية التونسية لأمراض السكري وارتفاع الضغط، الذين يواجهون خطر المضاعفات الصحية الناتجة عن انقطاع العلاج.

تداعيات اقتصادية

وتمتد تداعيات هذه الأزمة بعيداً عن الجانب الصحي لتطال ميزانية الأسر بشكل مباشر، حيث يُجبر آلاف المرضى على تحمل تكاليف إضافية تصل إلى ثلاثمئة دينار شهرياً لشراء بدائل دوائية، هذه التكاليف الإضافية تشكل عبئاً ثقيلاً في وقت تشهد فيه البلاد ظروفاً اقتصادية صعبة، مع ارتفاع متواصل في الأسعار وتراجع في القوة الشرائية للأسر.

ومع تصاعد الجدل بشأن أزمة نقص الأدوية، دعت وزارة الصحة التونسية في أغسطس عبر بيان رسمي أطلعت عليه «إرم بزنس» بعد وفاة شابين بسبب عدم توافر الدواء، إلى ترشيد الوصفات الطبية لضمان استمرارية التزويد وتفادي انقطاعات قد تهدد حياة المرضى ضمن خطة وطنية لضمان توفير الأدوية الأساسية.

واعتبر وزير الصحة، الدكتور مصطفى الفرجاني، أن هناك ضرورة لوضع خطة وطنية لمواجهة ما أسماه النقص الظرفي في الأدوية، ومنها إنشاء منصة إنذار مبكر بالصيدلية المركزية للتبليغ عن أي خطر نفاد، وإلزام مصنّعي الأدوية بالتصريح المنتظم بمخزونهم لتجنّب النفاذ المفاجئ، ودعوة الأطباء والصيادلة إلى الاستناد إلى البيانات الوطنية في وصف الأدوية وترشيد الوصفات، مع توعية المواطنين بأهمية حسن استعمالها.

واعتبر الوزير التونسي أن هذه الإجراءات تهدف إلى ضمان الاستمرارية في التزويد والتخلّص من ظاهرة فقدان الأدوية وضمان حقّ المواطن في الحصول على احتياجاته الدوائيّة.

أخبار ذات صلة

أشخاص يتجولون في منطقة تجارية وسط تونس العاصمة، يوم 7 مارس 2025

عودة تونس للاقتراض الخارجي.. طوق نجاة أم رهان محفوف بالمخاطر؟

إجراءات حكومية

كما أعلنت الحكومة عن خطة متعددة المحاور تشمل الاستيراد الطارئ للأدوية الأساسية، بالإضافة إلى دراسة إصلاحات ضريبية وجمركية تهدف إلى تخفيف الأعباء عن قطاع الاستيراد.

وتشمل هذه المقترحات تخفيض الرسوم الجمركية على المواد الأولية للأدوية، ومنح إعفاءات ضريبية للمستوردين، وتبسيط الإجراءات الجمركية للاستيراد.

ولكن الونيسي يرى أن هذه الإجراءات تواجه تحديات تمويلية كبيرة، خاصة في ظل محدودية الموارد المالية وتراجع الاحتياطيات، كما أن توقيت تنفيذ هذه الإصلاحات يبقى محل تساؤل، في وقت يحتاج فيه المرضى إلى حلول فورية تنقذهم من براثن المعاناة اليومية.

وفي الوقت نفسه يحذر خبراء من أن الإصلاحات الضريبية، رغم أهميتها، لا تمثل حلاً شاملاً للأزمة، إذ يرى الخبير الاقتصادي معز حديدان في حديث مع «إرم بزنس» أن الإصلاحات الضريبية المقترحة، مثل تخفيض الرسوم الجمركية على المواد الأولية للأدوية، تعتبر خطوة في الطريق الصحيح، لكنها ليست الحل الوحيد، حيث إن المشكلة الأساسية تكمن في أزمة توفير العملة الصعبة.

وارتفع احتياطي تونس من النقد الأجنبي بنسبة 2%، حتى يوم 24 أكتوبر 2025، وتجاوز ما يعادل 25 مليار دينار (ما يغطي 107 أيام توريد)، وذلك مقارنةً بالفترة ذاتها من 2024، وفق بيانات البنك المركزي التونسي.

ويضيف حديدان، أن التونسي اليوم ليس بحاجة إلى وعود، بل بحاجة إلى رؤية شاملة تشمل إصلاح النظام المصرفي، وتشجيع الاستثمار في الصناعة الدوائية المحلية، وبناء استراتيجية وطنية للتصنيع الدوائي.

ويوضح حديدان، أن معالجة أزمة الدواء تتطلب مقاربة شاملة تتصدى لجذور الأزمة الاقتصادية، خاصة ما يتعلق بأزمة السيولة والعملة الصعبة، كما تحتاج إلى معالجة الاختلالات الهيكلية في النظام الصحي التي تراكمت على مدى سنوات.

تراكم الديون

بدوره، يؤكد الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي، في حديثه مع «إرم بزنس»، أن أزمة نقص الأدوية في تونس ليست مجرد خلل لوجستي أو إداري، بل تعود أساساً إلى أزمة سيولة خانقة تعيشها الصيدلية المركزية، نتيجة تراكم ديونها لدى الصناديق الاجتماعية التي تعاني بدورها من عجز مالي مزمن.

ويضيف الخبير الاقتصادي أن أزمة السيولة المالية لدى الصيدلية المركزية، التي تعانيها بسبب عدم حصولها على مستحقاتها من الصندوق الوطني للتأمين على المرض الذي يعاني بدوره من عدم حصول مستحقاته من بقية الصناديق الاجتماعية، مشيراً إلى هذا الوضع خلق حلقة مفرغة أثّرت مباشرة على التزود بالأدوية وأدخلت البلاد في دوامة انقطاعات متكررة.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف