logo
اقتصاد

لبنان تحت ضغط صندوق النقد.. هل يدفع المودعون فاتورة الإنقاذ المالي؟

الصندوق يتمسك بإعادة هيكلة المصارف مقابل دعم التعافي

مخاوف من تحميل المودعين جزءاً من خسائر الانهيار المالي

خبراء يحذرون من أن الإصلاح البطيء يطيل النزيف الاقتصادي

لبنان تحت ضغط صندوق النقد.. هل يدفع المودعون فاتورة الإنقاذ المالي؟
مسافرون يمرون بسياراتهم أمام لوحة إعلانية تم تركيبها حديثاً تحمل صورة العلم اللبناني، على الطريق المؤدي إلى مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت يوم 10 أبريل 2025.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

وسط ضغوط متزايدة من صندوق النقد الدولي، تمضي السلطات اللبنانية في تعديل قوانين إصلاح المصارف سعياً لفتح باب التمويل الخارجي واستعادة الثقة المالية، غير أن هذه الخطوات تثير مخاوف داخلية من كلفة الإصلاح وانعكاساته على المودعين والاقتصاد المتعثر منذ سنوات.

تأتي هذه الضغوط، التي تُطرح في إطار متطلبات يفرضها الصندوق ولا مفر من الاستجابة لها، بحسب ما يرى خبراء اقتصاد ومال تحدثوا لـ«إرم بزنس»، مؤكدين أن «لبنان اليوم، الغارق في خسائر اقتصادية هائلة، لا يملك رفاهية التأجيل، لأن كلفة الإصلاح المؤجل أصبحت أعلى بكثير من كلفة الإصلاح نفسه».

ولا يزال الوضع الاقتصادي اللبناني متدهوراً، وقد فاقمته تداعيات حرب إيران ودخول «حزب الله» اللبناني على خط المواجهة. وقدّر وزير المالية اللبناني ياسين جابر، في تصريحات لـ«رويترز» نُشرت يوم 21 مايو، أن تداعيات الصراع ستؤدي إلى انكماش اقتصادي يتراوح بين 7% و10% هذا العام، لافتاً إلى أن كلفة الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي ستلحق بالبلاد قد تصل إلى 20 مليار دولار.

تعديلات جديدة

ورد إلى المجلس النيابي اللبناني، بتاريخ 13 مايو الجاري، مشروع قانون من الحكومة لتعديل بعض مواد قانون إصلاح المصارف، الذي كان المجلس قد أقرّه في جلسته المنعقدة بتاريخ 31 يوليو 2025. ويُعد هذا ثاني تعديل من نوعه ترسله الحكومة بشأن القانون، بعد مشروع تعديلي سابق أُرسل في 5 ديسمبر 2025، بحسب المرصد البرلماني في لبنان. 

أخبار ذات صلة

وزير المالية اللبناني، ياسين جابر، يتحدث إلى «إرم بزنس» على هامش اجتماعات القمة العالمية للحكومات، 2 فبراير 2026.

حرب إسرائيل تكبد الاقتصاد اللبناني انكماشاً 7% و20 مليار دولار

ووفق تقرير صادر عن المرصد بتاريخ 22 مايو الجاري، «تكون الحكومة قد أرسلت ثلاث صيغ مختلفة إلى المجلس النيابي للمشروع نفسه، من دون أن توضح أسباب طلب التعديل، فيما انتشرت معلومات تفيد بأن المشروع التعديلي الجديد، كما المشروع السابق، جاء استجابة لطلبات من صندوق النقد الدولي».

لفت التقرير إلى أن «هذا النهج في التعديلات يكشف حجم الممانعة التي تواجه متطلبات الصندوق، أو ضعف التواصل معه لفهمها واستيعابها وترجمتها إلى نصوص قانونية واضحة قبل حسم الوجهة التشريعية، ما يدفع الحكومة أو المجلس النيابي إلى تقديم اقتراحات ومشاريع تعديلية متكررة أملاً في الوصول إلى صيغة ترضي الصندوق في نهاية المطاف».

تتزامن هذه المساعي اللبنانية مع تصريحات منسوبة إلى صندوق النقد الدولي، صدرت في 22 مايو الجاري، تدعو لبنان إلى تحقيق مزيد من التقدم في ملف إعادة هيكلة القطاع المصرفي، تمهيداً لإتمام برنامج إصلاح شامل قد يحظى بدعم الصندوق.

وسبق أن قالت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي، جولي كوزاك، في 19 فبراير الماضي، إن «الصندوق لا يزال يجري مباحثات مع السلطات اللبنانية، التي طلبت برنامجاً مدعوماً من الصندوق في مارس 2025، بشأن قضيتين رئيسيتين: إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ووضع استراتيجية مالية متوسطة الأجل تتضمن تدابير ملموسة لزيادة الإيرادات العامة»، مؤكدة أن الإصلاحات ضرورية لجذب الدعم الدولي لمساعدة لبنان.

صور لافتات أمام مصرف لبنان في بيروت، لبنان، يوم 19 يناير 2024.
صور لافتات أمام مصرف لبنان في بيروت، لبنان، يوم 19 يناير 2024.المصدر: (أ ف ب)

كان لبنان قد تخلف عن سداد نحو 30 مليار دولار من السندات الدولية عام 2020، عقب انهيار اقتصادي حاد، ما أبقاه خارج الأسواق الدولية وفاقم فجوة مالية تعادل ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد. كما تراجعت احتياطيات مصرف لبنان من العملات الأجنبية بنحو 446 مليون دولار، من حوالي 11.9 مليار دولار في نهاية فبراير إلى نحو 11.4 مليار دولار بنهاية أبريل.

وحذّرت المصارف التجارية اللبنانية من أن السيولة المتاحة لديها لا تكفي لسداد أموال المودعين وفق الخطة الحكومية الرامية إلى سد فجوة مالية تُقدّر بنحو 80 مليار دولار، ما يهدد بتعقيد المفاوضات الحساسة لإطلاق مسار التعافي الاقتصادي مع صندوق النقد، بحسب ما نقلته وكالة «بلومبرغ» في 23 فبراير الماضي، وسط اعتراض من القطاع المصرفي على تحميله الحصة الأكبر من الخسائر.

وفي 3 مايو الجاري، شدد حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، في مقال بصحيفة «فاينانشال تايمز»، على أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يمثل «المسار الأخير ذي المصداقية» لتأمين تعافي البلاد، مشيراً إلى أن لبنان ليس في موقع يسمح له بفرض شروط مضادة، ما يجعل فرص التوصل إلى اتفاق إيجابية إلى حد بعيد.

أزمة مركبة

من جهتها، قالت الباحثة الاقتصادية اللبنانية محاسن مرسل، في حديث لـ«إرم بزنس»، إن «صندوق النقد الدولي ينظر إلى الأمور من زاوية تقنية بحتة في ما يتعلق بإعادة الانتظام المالي، وخصوصاً من ناحية تراتبية المسؤولية، إذ يسعى إلى تحميل المسؤولية للمصارف ومصرف لبنان، مع تحييد الدولة اللبنانية بالكامل، بهدف ضمان استدامة الدين العام، باعتبار أن الدولة ستدخل في نهاية المطاف في برنامج تعاون مع الصندوق، وهو ما يدفعه إلى التركيز على ضمان قدرة الدولة مستقبلاً على سداد التزاماتها».

أضافت أن المشكلة تكمن في «محاولة صندوق النقد معالجة الجوانب التقنية وتأمين استدامة الدين العام مع عزل مسؤولية الدولة بالكامل»، موضحة أن «الحلول لا يمكن أن تُصاغ بهذه الطريقة، خصوصاً أن الحكومات المتعاقبة أنفقت أموالاً طائلة من دون حسيب أو رقيب، فيما يجري التغاضي عن حقوق المودعين». 

أخبار ذات صلة

وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني.

وزير الأشغال لـ«إرم بزنس»: إعمار لبنان يحتاج أكثر من 11 مليار دولار

أكدت مرسل أنه «لا يمكن بأي حال من الأحوال بناء اقتصاد سليم من دون قطاع مصرفي سليم»، مشيرة إلى أن «إعادة إحياء القطاع المصرفي، ورد أموال المودعين، وتحمل الدولة لمسؤولياتها كاملة، إلى جانب تحمل المصارف ومصرف لبنان لمسؤولياتهما، تمثل السبيل الوحيد لوضع الاقتصاد اللبناني على مسار التعافي».

مخاوف وتحديات

بدوره، رأى الخبير المصرفي أمجد نصر، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن تصريحات صندوق النقد الدولي بشأن التمسك بالإصلاحات المصرفية تعكس استمرار القلق الدولي من كيفية معالجة الأزمة المصرفية في لبنان.

أوضح أن «الصندوق يريد أن تكون عملية إعادة الهيكلة متوافقة مع المعايير الدولية المعتمدة بعد الأزمات المالية، بحيث يتحمل المساهمون والإدارات جزءاً أساسياً من الخسائر قبل المساس بأموال المودعين، مع إعادة رسملة البنوك بطريقة شفافة، وتحديد الفجوة المالية بصورة واضحة، والفصل بين البنوك القابلة للاستمرار وتلك غير القابلة للحياة».

أضاف: «من الواضح أن صندوق النقد لا يزال يعتبر أن مشروع القانون اللبناني الحالي غير كاف للوصول إلى اتفاق نهائي، ما يعني أن الطريق أمام برنامج الإنقاذ لا يزال يتطلب توافقات سياسية ومالية صعبة».

وأكد نصر أن «صندوق النقد يضغط لإصلاح المصارف في لبنان، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إصدار القوانين، بل في كيفية توزيع الخسائر، ومن سيتحمل كلفة الانهيار بعد سنوات طويلة من التأجيل».

أشار إلى أن أبرز التحديات تتمثل في «ضخامة الفجوة المالية بين التزامات المصارف والسيولة المتاحة، وحساسية ملف حقوق المودعين وتراتبية تحمل الخسائر، وضعف الثقة بالقطاع المصرفي والدولة معاً، إلى جانب التعقيدات السياسية وتضارب مصالح الأطراف المؤثرة، والحاجة إلى إعادة هيكلة مالية واقتصادية متزامنة، وليس مصرفية فقط».

في المقابل، يرى نصر أن مكاسب الإصلاح، إذا نُفذت بجدية، ستكون كبيرة، وأبرزها «استعادة الثقة بالنظام المالي، وجذب الاستثمارات والتحويلات الخارجية مجدداً، وتحريك الائتمان والتمويل للاقتصاد الحقيقي، واستقرار سعر الصرف تدريجياً، وفتح الباب أمام دعم وتمويل دولي أوسع».

ويعتقد نصر أن «الاقتصاد اللبناني يحتاج إلى إصلاح شامل وواضح الإطار، لكن بتنفيذ مرحلي ومدروس، لأن الصدمة الشاملة والسريعة قد تكون قاسية اجتماعياً ومالياً في ظل الوضع الحالي، فيما قد يؤدي الإصلاح البطيء جداً إلى إطالة أمد النزيف وفقدان ما تبقى من ثقة»، مؤكداً أن «لبنان اليوم لا يملك رفاهية التأجيل، لأن كلفة الإصلاح المؤجل أصبحت أعلى بكثير من كلفة الإصلاح».

 

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف