
تراجعت مبيعات المنازل قيد التعاقد في الولايات المتحدة الأميركية إلى أدنى مستوى منذ 25 عاماً خلال سبتمبر الماضي، مع انسحاب المزيد من المشترين من السوق العقارية، بعدما تجاوز متوسط الفائدة على قروض الرهن العقاري لأجل 30 عاماً مستوى 7%، ما زاد الضغوط على قطاع الإسكان الأميركي.
وأظهرت بيانات الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين، الصادرة الثلاثاء، انخفاض مبيعات المنازل قيد التعاقد بنسبة 7.3% خلال سبتمبر مقارنة بالشهر السابق، فيما سجلت تراجعاً بنسبة 11.3% على أساس سنوي، وفقاً لتقرير نشره موقع «ماركت ووتش»، الأربعاء.
وهبطت المبيعات إلى أدنى مستوى منذ بدء تسجيل هذه البيانات في عام 2001، في مؤشر على التراجع الحاد في الطلب على شراء المساكن، وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض واستمرار الضغوط المعيشية على الأسر الأميركية.
وتشمل مبيعات المنازل قيد التعاقد الصفقات التي جرى توقيع عقود شرائها، لكنها لم تستكمل إجراءات الإغلاق النهائي بعد، ما يجعلها مؤشراً مبكراً على اتجاهات المبيعات الفعلية خلال الأشهر المقبلة.
عزت الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين التراجع الحاد في الطلب إلى ارتفاع معدلات الرهن العقاري، التي تجاوزت 7% خلال سبتمبر، مدفوعة بصعود أسعار النفط وتزايد التوقعات بشأن احتمال رفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة.
وارتفع متوسط الفائدة على قروض الرهن العقاري لأجل 30 عاماً إلى 7.17% خلال الفترة الماضية، قبل أن يصل إلى نحو 7.5% خلال أكتوبر، ما أدى إلى زيادة كبيرة في الأقساط الشهرية للمشترين.
وتؤثر هذه الزيادات مباشرة في القدرة الشرائية للأسر، إذ يمكن أن تؤدي تغيرات محدودة في أسعار الفائدة إلى ارتفاع ملموس في تكلفة تمويل المنازل.
ونقل موقع «ماركت ووتش» عن الوسيط العقاري كريس كولغان، العامل لدى شركة «ريل بروكريدج» في ولاية فرجينيا، أن أحد عملائه اضطر إلى إعادة النظر في شراء منزل بعدما ارتفعت الفائدة من 7% إلى 7.5%، ما زاد القسط الشهري المتوقع بنحو 400 دولار.
وأوضح أنه تواصل مع 5 جهات إقراض مختلفة قبل أن يتمكن من الحصول على عرض تمويلي بفائدة 7.25% لمدة 30 عاماً، ما أتاح للمشتري المضي قدماً في الصفقة.
في ظل تراجع الطلب، بدأ البائعون تقديم تنازلات أكبر لجذب المشترين، بعدما أدركوا أن الأسعار المطلوبة لم تعد تتناسب مع القدرة الشرائية في السوق.
وأظهرت بيانات منصة التحليلات العقارية «باركل إتش كيو» أن نحو 44% من المنازل المعروضة للبيع شهدت تخفيضات في أسعارها حتى 18 أكتوبر الجاري.
وبحسب بيانات موقع «ريالتور دوت كوم»، بلغ متوسط السعر الوسيط للمنازل المعروضة للبيع نحو 415 ألف دولار في أوائل أكتوبر.
ويعكس انتشار تخفيضات الأسعار تحولاً تدريجياً في ميزان القوة التفاوضية لمصلحة المشترين، بعدما كانت السوق الأميركية تشهد منافسة قوية على الوحدات المتاحة خلال السنوات الماضية.
وقال كولغان إن المشترين الذين لا يزالون قادرين على تحمل تكاليف التمويل المرتفعة أصبحوا يبحثون بصورة متزايدة عن الصفقات المخفضة، مستفيدين من استعداد بعض البائعين لتقليص الأسعار المطلوبة.
وأضاف أن البائعين باتوا يتلقون عروض شراء تقل بصورة ملحوظة عن الأسعار المعلنة، ما يدفعهم إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن قيمة عقاراتهم.
أشار الوسيط العقاري إلى أن بعض المشترين يقدمون حالياً عروضاً تقل بما يصل إلى 25 ألف دولار عن الأسعار المطلوبة، في حين يطالب آخرون بإجراء إصلاحات كبيرة قبل إتمام الصفقة.
وتشمل هذه المطالب استبدال أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء، أو الحصول على تعويضات مالية من البائعين لتغطية تكاليف الإصلاحات التي تكشف عنها عمليات فحص المنازل.
وأوضح أن المشترين أصبحوا أكثر جرأة في التفاوض، بينما بدأ الوسطاء ينصحون البائعين بالاستعداد لتقديم تنازلات أكبر مما كان معتاداً في السابق.
وأضاف أن بقاء المنزل معروضاً للبيع لمدة شهر أو أكثر قد يشير إلى استعداد مالكه لخفض السعر، خصوصاً إذا تضمنت إعلانات البيع عبارات تدعو المشترين إلى تقديم عروض أو تشير إلى رغبة البائع في إتمام الصفقة سريعاً.
ولا يقتصر ضعف الطلب على سوق المنازل القائمة، بل يمتد أيضاً إلى قطاع البناء السكني الجديد. وأظهرت بيانات صدرت الاثنين تراجع حركة المشترين المحتملين في مشروعات الإسكان الجديدة إلى أدنى مستوى في 14 عاماً، ما زاد تشاؤم شركات البناء بشأن آفاق المبيعات.
ودفع ضعف الطلب بعض المطورين إلى خفض أسعار المنازل الجديدة وتقديم حوافز للمشترين، في محاولة للحفاظ على مستويات المبيعات وتقليص المخزون المتاح.
ويأتي ذلك بالتزامن مع انخفاض عمليات البدء في بناء المنازل الأميركية بنسبة 5.2% خلال سبتمبر إلى معدل سنوي يبلغ 1.22 مليون وحدة، وهو أحد أضعف المستويات منذ جائحة كورونا.
وتشير هذه التطورات إلى أن سوق الإسكان الأميركية تواجه ضغوطاً متزامنة من ارتفاع تكاليف التمويل وضعف الطلب وتراجع ثقة المطورين.
ورغم أن انخفاض الأسعار المطلوبة يمنح بعض المشترين فرصاً أفضل للتفاوض، فإن استمرار معدلات الرهن العقاري عند مستويات مرتفعة يحد من استفادتهم من هذه التخفيضات.
وبذلك، تبدو السوق العقارية الأميركية أمام مرحلة من إعادة التوازن، مع انتقال جانب من القوة التفاوضية إلى المشترين، لكن تعافي المبيعات بصورة مستدامة سيظل مرهوناً بانخفاض تكاليف الاقتراض وتحسن القدرة الشرائية للأسر.