
تراجع نشاط بناء المنازل الجديدة في الولايات المتحدة خلال سبتمبر الماضي إلى أحد أضعف مستوياته منذ جائحة كورونا، مع انخفاض تصاريح بناء المنازل المخصصة لأسرة واحدة، في مؤشر جديد على استمرار الضغوط التي تواجه سوق العقارات السكنية الأميركية نتيجة ارتفاع تكاليف التمويل وتراجع القدرة الشرائية.
وأظهرت بيانات حكومية صدرت الثلاثاء، انخفاض عمليات البدء في بناء المساكن الجديدة بنسبة 5.2% خلال سبتمبر، إلى معدل سنوي معدل موسمياً بلغ 1.22 مليون وحدة سكنية، وهو أدنى مستوى في 4 أشهر، وفقاً لوكالة «بلومبرغ».
وجاءت الأرقام دون جميع توقعات الاقتصاديين المشاركين في استطلاع أجرته الوكالة، ما يعكس ضعفاً أكبر من المتوقع في نشاط البناء السكني، رغم استمرار الحاجة إلى توفير مساكن بأسعار مناسبة.
وكشفت البيانات أن عمليات البدء في بناء المنازل المخصصة لأسرة واحدة انخفضت إلى أدنى مستوياتها خلال عام، في حين تراجعت طلبات الحصول على تصاريح بناء هذه المنازل، التي تعد مؤشراً على نشاط البناء المستقبلي، إلى أدنى مستوى منذ أوائل عام 2023.
ويعكس هذا التراجع استمرار حالة الضعف في سوق الإسكان الأميركية، التي تواجه تحديات متزايدة تتعلق بقدرة المشترين على تحمل تكاليف التملك، خصوصاً مع ارتفاع معدلات الفائدة على القروض العقارية.
وكانت معدلات الرهن العقاري في الولايات المتحدة قد ارتفعت إلى نحو 7.5%، ما زاد تكلفة الاقتراض وأضعف الطلب على شراء المنازل، في وقت يواجه فيه المطورون العقاريون صعوبات في تصريف الوحدات السكنية المتاحة.
كما تراجعت ثقة شركات بناء المنازل إلى أدنى مستوياتها في 14 عاماً، ما قد يدفع المطورين إلى تأجيل إطلاق مشروعات جديدة إلى حين تحقيق تقدم أكبر في خفض المخزونات الحالية.
وأظهر التقرير أيضاً تراجع عمليات البدء في إنشاء المباني السكنية متعددة الوحدات، التي تشمل الشقق، بنسبة قاربت 7% خلال سبتمبر.
ويتميز هذا القطاع بتقلبات شهرية كبيرة نسبياً، نتيجة ارتباط نشاطه بمشروعات تطوير عقاري ضخمة قد تؤثر في الأرقام الإجمالية عند بدء تنفيذها أو تأجيلها.
وفي الوقت نفسه، انخفض عدد المنازل المنفردة التي اكتمل بناؤها خلال سبتمبر إلى أضعف وتيرة في أكثر من 6 سنوات، ما يعكس تباطؤ النشاط السكني في مختلف مراحل التطوير.
وعلى المستوى الجغرافي، تراجعت عمليات بدء بناء المنازل المنفردة في جنوب الولايات المتحدة، الذي يعد أكبر منطقة لنشاط البناء السكني في البلاد، إلى أدنى مستوى منذ يناير الماضي.
كما سجلت المناطق الغربية والوسطى انخفاضاً في عمليات البناء، ما يشير إلى انتشار الضعف عبر مناطق رئيسية من السوق العقارية الأميركية.
ولا تقتصر تداعيات تباطؤ البناء السكني على القطاع العقاري، بل تمتد إلى الاقتصاد الأميركي عموماً، نظراً إلى ارتباط نشاط البناء بالإنفاق الاستثماري والتوظيف والطلب على مواد البناء والخدمات المرتبطة به. وبحسب البيانات، أسهم ضعف نشاط البناء السكني في الضغط على النمو الاقتصادي خلال 5 من الأرباع السنوية الـ6 الماضية.
وقبل صدور تقرير الثلاثاء، كان نموذج «GDPNow» التابع لبنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا يتوقع انخفاض الاستثمار السكني بمعدل سنوي يبلغ 1.3% خلال الربع الثالث من العام الجاري.
وتشير هذه التقديرات إلى أن قطاع الإسكان قد يواصل تشكيل عبء على النمو، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض وضعف الطلب على المنازل الجديدة.
وقالت إليزا وينغر، الخبيرة الاقتصادية لدى «بلومبرغ إيكونوميكس»، إن نشاط البناء السكني، الذي يعد من أكثر القطاعات الاقتصادية حساسية لتغيرات أسعار الفائدة، يواجه ضغوطاً متزايدة مع الارتفاع الكبير في معدلات الرهن العقاري.
وأضافت أن مستويات المخزون المرتفعة بالفعل، إلى جانب تزايد تشاؤم شركات البناء بشأن المبيعات المستقبلية، ترجح استمرار تأثير القطاع سلباً في الأنشطة الاقتصادية الحساسة لأسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
ورغم ضعف البيانات، أشار التقرير الحكومي إلى أن أرقام البناء السكني تتسم بتقلبات كبيرة من شهر إلى آخر، إذ أظهرت التقديرات الإحصائية، بمستوى ثقة يبلغ 90%، أن التغير الفعلي في إجمالي عمليات بدء البناء خلال سبتمبر قد يتراوح بين انخفاض بنسبة 17% وارتفاع بنسبة 6.6%.
ويعكس هذا الهامش الواسع درجة عدم اليقين المرتبطة بالبيانات الشهرية، لكنه لا يلغي الاتجاه العام الذي يشير إلى استمرار الضغوط على سوق الإسكان الأميركية.
وتضع هذه التطورات قطاع العقارات السكنية أمام تحديات متزايدة، مع استمرار ارتفاع معدلات الرهن العقاري وتراجع ثقة المطورين، ما قد يؤخر تعافي نشاط البناء ويحد من مساهمة الاستثمار السكني في النمو الاقتصادي الأميركي خلال الفترة المقبلة.